عقب الهزيمة التي تلقتها على يد القوات البروسية ووقوع الإمبراطور نابليون الثالث بالأسر، أعلن المشرعون الفرنسيون يوم 4 سبتمبر (أيلول) 1870 عن نهاية الإمبراطورية الثانية وقيام الجمهورية الثالثة التي عين أدولف تيير (Adolphe Thiers) كأول رئيس لها.
وخلال فترة الجمهورية الثالثة التي استمرت لحين احتلال ألمانيا لفرنسا عام 1940، شهدت البلاد العديد من الفضائح السياسية التي عصفت بسياسيين وأنهت مسيراتهم. وإضافة لقضية دريفوس (Dreyfus) وفضيحة قناة بنما، يذكر التاريخ فضيحة الأوسمة العسكرية التي أطاحت بالرئيس جول كريفي (Jules Grévy) ودفعته لترك منصبه.
تحقيق حول الأوسمة
أواخر شهر سبتمبر (أيلول) 1887، توجهت هنريات بواسييه (Henriette Boissier) التي عملت سابقاً بأحد بيوت الدعارة بباريس نحو مقر الشرطة لإطلاع رجال الأمن على أسرار حساسة أملاً في الانتقام من مسؤولتين بالمكان الذي عملت به. وبتصريحاتها، تحدثت هنريات بواسييه عن وجود عمليات احتيال ومقايضات مرعبة تدار بشكل شبه دائم بين أروقة بيت الدعارة الذي عملت به.
فمع استدعائها للتحقيق وتهديدهما بإغلاق المكان والسجن، رضخت المسؤولتان وأقرتا بزيارة عدد من كبار السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال لبيت الدعارة هذا من أجل مقايضة أوسمة عسكرية مقابل مبالغ مالية طائلة.
على إثر ذلك، توسعت التحقيقات واتخذت طابعا جنائيا. وبعد فترة وجيزة، استدعي الجنرال لويس شارل كافاريل (Louis Charles Caffarel) للتحقيق بعد أن تورط بقضية بيع أوسمة عسكرية واعتماد التمييز والتفضيل أثناء منح العقود العسكرية.
وأثناء التحقيق معه، اعترف الجنرال كافاريل بما نسب له وأكد على وجود أطراف أخرى مشيرا بذلك لدانييل ولسن (Daniel Wilson)، صهر الرئيس جول كريفي، ووزير الحرب ثيوفيل فيرون (Théophile Ferron).
فضيحة واستقالة الرئيس
إلى ذلك، ظلت التحقيقات سرية لحين كشفها من قبل صحيفة القرن التاسع عشر (Le XIXe siècle) الفرنسية لعامة الناس. وضمن ما وصف بفضيحة الأوسمة، اتهم دانييل ولسن، صهر الرئيس جول كريفي والنائب عن إقليم أندر ولوار، بإدارة شبكة، انطلاقاً من الإليزيه، لمنح أوسمة فرنسية ذات قيمة هامة لعدد من الأشخاص مقابل مبالغ مالية. وحسب ما تم التوصل إليه، عمد دانييل ولسن، انطلاقاً من مكتب بالإليزيه، لإصدار أعداد كبيرة من الأوسمة لصالح رجال أعمال مقابل حصوله على دعمهم وإسهاماتهم بمؤسساته الخاصة.
من جهة ثانية، اتهم دانييل ولسن ببيع أوسمة، خاصة وسام جوقة الشرف، مقابل مبالغ باهظة تراوحت بين 25 و100 ألف فرنك فرنسي. أيضاً، استغل صهر الرئيس المبالغ الطائلة التي جمعها لتمويل عدد من الصحف المحلية بهدف تلميع صورته والحصول على عقود تجارية عامة.
عقب هذه الفضيحة، أجبر دانييل ولسن على مغادرة الإليزيه قبل أن يمثل أمام القضاء وينال حكما بالسجن لمدة عامين سنة 1888. لاحقا، اعترض صهر الرئيس على هذا الحكم الذي تمت مراجعته قبل إلغائه.
وفي الأثناء، تسببت هذه الفضيحة في حالة من التوتر السياسي بفرنسا. فعلى الرغم من عدم تورطه بشكل مباشر بفضيحة الأوسمة، اتهم الرئيس جول كريفي بالسماح لصهره باستغلال الإليزيه لأغراضه الخاصة.
وتحت ضغط من البرلمانيين، أجبر الرئيس جول كريفي على تقديم استقالته يوم 2 ديسمبر (كانون الأول) 1887 ليحل بدلاً منه سادي كارنو (Sadi Carnot). أيضا، اضطر رئيس مجلس الوزراء موريس روفييه (Maurice Rouvier) للاستقالة بعد يومين فقط عقب ضغوط مورست عليه من قبل معارضيه بسبب الفضيحة.