بسبب هفوة بسيطة.. وقع جاسوس نقل أسراراً مرعبة لروسيا

ما نقله ريدل كاد يتسبب في مقتل مئات الآلاف من الجنود النمساويين ويكتب نهاية النمسا

المصدر: العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان 
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، مثلت إمبراطورية النمسا المجر الحلقة الأضعف بالتحالف الثلاثي، فبتلك الفترة كان جنود الجيش النمساوي من قوميات عديدة تكلم كل منها لغة مختلفة.

وبسبب ذلك، كان التواصل بين الجنود والمسؤولين أمراً صعباً بأغلب الأوقات، وبالسياق نفسه، تحمل أغلب هؤلاء الجنود المنتمين للقوميات الأخرى، بكره شديد ضد المسؤولين النمساويين بسبب سياسات الإقصاء والتمييز بالجيش حيث لم يسمح سوى للنمساويين، وأحيانا المجريين، فقط بالحصول على الرتب العسكرية العليا والمناصب القيادية. من ناحية أخرى، عانى الجيش النمساوي من نقص فادح بالمعدات العسكرية ووصف بالمتأخر مقارنة بجيوش القوى الأوروبية الأخرى.

وإضافة لذلك، اهتزت المؤسسة العسكرية النمساوية قبل بداية النزاع العالمي على وقع فضيحة تجسس غير مسبوقة ألحقت ضرراً كبيراً بالجيش النمساوي.

صورة لألفرد ريدل
صورة لألفرد ريدل

إصلاحات ريدل بمكافحة التجسس

بفضل نجاحه الدراسي وتفوقه، حصل ألفرد ريدل (Alfred Redl)، المولود يوم 14 مارس (آذار) 1864 بلفيف (Lviv)، على منحة للدراسة بالمدرسة العسكرية بالنمسا. ومع تخرجه، ترقى ألفرد ريدل بشكل سريع بسلم الرتب العسكرية ليبلغ رتبة كولونيل. وخلال سنوات عمله، كلف هذا الشاب النمساوي بمهام صلب المخابرات العسكرية النمساوية حيث أوكلت له عمليات مكافحة التجسس وضبط العملاء المحتملين والتصدي للعمليات التخريبية بالبلاد. وبشكل سريع، أصبح ألفرد ريدل واحدا من أهم وجوه مكافحة التجسس بالنمسا، كما حصل في الآن ذاته على الضوء الأخضر للاطلاع على معلومات عسكرية حساسة كمواقع تمركز القوات ومحتويات الثكنات العسكرية والتسليح والخطط والقرارات العسكرية.

أثناء فترة عمله، أدخل ريدل إصلاحات هامة على مكتب الأمن المضاد للجواسيس حيث لجأ الأخير لاعتماد تقنيات جديدة مثل التصوير الفوتوغرافي وأجهزة التسجيل الصوتي.

لوحة تجسد بيتر الثالث
لوحة تجسد بيتر الثالث

نقل معلومات للروس

وعلى الرغم من كل هذه الإنجازات، لم يتردد ألفرد ريدل في خيانة النمسا لصالح روسيا. فمنذ مطلع القرن العشرين، نقل ألفرد ريدل للروس معلومات حساسة حول مواقع تمركز الجيش النمساوي وتنقلاته إضافة لمعلومات أخرى حول تعداد القوات ومدى تسليحها واستعدادها لحرب محتملة. أيضاً، قدم ريدل للروس معلومات حول الثكنات العسكرية وخطوط السكك الحديدية وعدد القاطرات المستخدمة.

وخلال حرب البلقان الأولى، بلغت حدة التوتر بين النمسا وروسيا أشدها، وهددت باندلاع حرب بين الطرفين. وأثناء الأزمة، أرسل ريدل للروس وثائق حول برنامج التعبئة النمساوي مساهما بذلك في منح الروس أفضلية هامة. أيضا، لم يتردد هذا الكولونيل النمساوي في تقديم أسماء العديد من الجواسيس النمساويين المتمركزين ببولندا وأوكرانيا للروس.

لوحة تجسد قائد الجيش النمساوي المارشال فرانز كونراد فون هوتزندورف
لوحة تجسد قائد الجيش النمساوي المارشال فرانز كونراد فون هوتزندورف

أسباب الخيانة

إلى ذلك، اختلف المؤرخون حول أسباب خيانة ألفرد ريدل للنمسا. فحسب البعض، عاش الأخير حياة البذخ وعانى من درجة تدين كبيرة. وبسبب ذلك، لجأ هذا الكولونيل لبيع أسرار النمسا للحصول على المال. وبناء على العديد من المصادر، حصل ألفرد ريدل على ثروة بلغت 2.4 مليون جنيه إسترليني من المعلومات التي باعها للروس فقط. أيضا، ذكرت المصادر عن قيام هذا الكولونيل النمساوي ببيع معلومات أخرى حساسة لكل من فرنسا وإيطاليا.

من جهة أخرى، يشير عدد من المؤرخين الآخرين للميول الجنسية لألفرد ريدل كسبب وراء خيانته للنمسا. فبتلك الفترة، كان ألفرد ريدل من الشواذ جنسيا. وقد أخفى الأخير الأمر بسبب القوانين النمساوية التي كانت ستقصيه من الجيش نهائيا قبل تحويله للمحاكمة. وخلال العام 1901، تمكن الروس من كشف الميول الجنسية لألفرد ريدل وهددوه بفضحه في حال رفضه التخابر معهم وتزويدهم بالمعلومات.

مع تزايد الشكوك حول وجود جواسيس روس بالبلاد، اتجهت مختلف أجهزة الأمن النمساوية لتكثيف جهودها عبر مراقبة البريد بالبلاد. وأثناء عمليات مراقبة روتينية، عثر عدد من الضباط النمساويين على رسالة قادمة من روسيا وجد بداخلها مبلغ مالي وموجهة لشخص يدعى نيكون نيزيتاس (Nikon Nizetas).

إلى ذلك، انتظر الضباط قدوم الشخص المحدد لاستلام الرسالة بمركز البريد وتتبعوه إلا أنهم أضاعوا أثره عقب صعوده بسيارة أجرة. بعد فترة وجيزة، عثر الضباط النمساويون على سيارة الأجرة التي حملت المدعو نيكون نيزيتاس من مركز البريد. ومع تفتيشها، عثروا على غمد سكين فوق الكرسي الخلفي. بالتزامن مع ذلك، طالب المسؤولون النمساويون سائق السيارة بنقلهم للمكان الذي نزل به حريفه السابق. ومع بلوغهم نزلا، طلب الضباط من العاملين إخبار جميع الحرفاء بوجود غمد سكين ضائع بالاستقبال.

لاحقا، ذهل الضباط عند مشاهدتهم للكولونيل ريدل وهو يتسلم هذا الغمد من العاملين بالاستقبال، وجاءت هذه الحادثة لتشكل صدمة بالمؤسسة العسكرية النمساوية.

ومع مواجهته بالأمر داخل غرفته، اعترف ألفرد ريدل بكل التهم الموجهة له. على إثر ذلك، أمر قائد الجيش النمساوي المارشال فرانز كونراد فون هوتزندورف (Franz Conrad von Hötzendorf) بمنح ألفرد ريدل مسدسا وتركه بمفرده داخل غرفته. وخلال ساعة مبكرة من صباح 25 مايو (أيار) 1913، أقدم ألفرد ريدل على الانتحار عبر إطلاق النار على نفسه.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط