على مدار نحو ربع قرن، حكم جوزيف ستالين الاتحاد السوفييتي بقبضة من حديد حيث لم يتردد الأخير طيلة هذه السنوات في التخلص من معارضيه معتمداً على طرق عدة تراوحت بالأساس بين الإعدام أو الترحيل نحو مراكز العمل القسري بالمناطق النائية من البلاد.
وإضافة لتسببه في مقتل ما لا يقل عن 20 مليون شخص، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، يقدر المؤرخون عدد الأشخاص الذين تم تهجيرهم خلال فترة ستالين بأكثر من 7 ملايين شخص. ومن ضمن هؤلاء المهجّرين يبرز القلميقيون (Kalmyks) الذين تم ترحيلهم من مناطقهم نحو مناطق أخرى نائية، بتهمة الخيانة، في خضم الحرب العالمية الثانية.
قرار التهجير
مثل القلميقيون شعباً من قبائل الأويرات الذين تواجدوا بمنغوليا وجونغاريا وهاجروا ليستقروا عند ضفاف نهر الفولغا خلال القرن السابع عشر. وعلى مدار قرون، حافظ القلميقيون على عاداتهم وتقاليدهم ومارسوا البوذية التيبتية.
ومع قيام الاتحاد السوفييتي، حصل القلميقيون على جمهورية مستقلة، ذات حكم ذاتي، صلب الاتحاد السوفييتي.
وقبل ذلك، حارب عدد كبير من القلميقيين لجانب الجيش الأبيض الروسي خلال الحرب الأهلية الروسية وواجهوا بذلك البلشفيين والجيش الأحمر. ومع انتصار البلشفيين، فضّل العديد من القلميقيين مغادرة روسيا والانتقال نحو دول الجوار.
وخلال الثلاثينيات، باشر ستالين بحملته الموجهة ضد الديانات والمعتقدات. وعلى إثر ذلك، شهدت قلميقيا تدمير جميع معابدها البوذية التي قدر عددها بالسابق بحوالي 175 معبداً.
وخلال الحرب العالمية الثانية، وقعت أجزاء من قلميقيا تحت سيطرة الألمان. وبالتزامن مع ذلك، عمد الألمان لتجنيد ما لا يقل عن 5 آلاف من القلميقيين للقتال بصفوفهم ضمن ما لقب بفيلق الفرسان القلميقي.
وبالتزامن مع ذلك، تواجد بالجيش الأحمر السوفييتي ما يزيد عن 23 ألفاً من القلميقيين الذين فضلوا حمل السلاح للدفاع عن الاتحاد السوفييتي.
إلى ذلك، لم يكن الأمر كافياً لجوزيف ستالين. وبأمر مباشر منه، وضعت خطة لنقل عدد كبير من القلميقيين من قلميقيا نحو مناطق نائية وباردة بسيبيريا للعمل بمراكز العمل القسري المعروفة بالغولاغ.
تهجير 93 ألفاً ووفاة 16 ألفاً
وضمن برنامج نقل الشعوب وإعادة التموقع الذي تسبب في نقل قسري للملايين من سكان الاتحاد السوفييتي نحو مناطق أخرى، أمر جوزيف ستالين بنقل القلميقيين والنساء الأخريات، من الشعوب الأخرى، اللوات تزوجن من قلميقيين نحو مراكز العمل القسري بسيبيريا.
وما بين يوم 28 و31 ديسمبر (كانون الأول) 1943، أشرف قائد مفوضية الشعب للشؤون الداخلية لافرينتي بيريا (Lavrentiy Beria) على مهمة ترحيل القلميقيين. ولإنجاز مهمته، اعتمد الأخير على حوالي 10 آلاف عنصر من مفوضية الشعب للشؤون الداخلية ومفوضية الشعب لأمن الدولة.
وخلال عملية تهجير نحو 93 ألفا من القلميقيين إلى سيبيريا، اعتمد لافرينتي بيريا على عربات قاطرة خصصت لنقل الأغنام والخنازير. وبسبب ظروف النقل القاسية ودرجات الحرارة الباردة والنقص الفادح بالغذاء، توفي نحو 16 ألفا من القلميقيين بالطريق قبل بلوغهم سيبيريا.
وعقب وفاة جوزيف ستالين وبداية سياسة اجتثاث الستالينية، رد القائد السوفييتي الجديد نيكيتا خروتشوف الاعتبار للقلميقيين وسمح لهم بداية من سنة 1956 بمغادرة المعسكرات التي وضعوا بها والعودة لمنازلهم.