كشفت أبحاث علمية حديثة أن مكان السكن قد يلعب دوراً خفياً في تطور أخطر أنواع سرطان الثدي، إذ تبيّن أن النساء اللواتي يعشن قرب مواقع النفايات السامة في الولايات المتحدة أكثر عرضة للإصابة بأنواع عدوانية يصعب علاجها من المرض.
وبحسب دراسات جديدة صادرة عن مركز سيلفستر الشامل للسرطان في كلية الطب بجامعة ميامي ميلر، ونشرت نتائجها في تقرير بموقع "ScienceDaily" العلمي، فإن العيش بالقرب من مواقع «سوبرفند» (Superfund) -وهي مناطق ملوّثة بنفايات خطرة صنّفتها وكالة حماية البيئة الأميركية كمواقع تحتاج إلى تنظيف عاجل- يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بسرطان الثدي النقيلي وسرطان الثدي الثلاثي السلبي، وهما من أكثر الأنواع مقاومة للعلاج.
واعتمد الباحثون في دراساتهم على تحليل بيانات أكثر من 21 ألف حالة سرطان ثدي في ولاية فلوريدا بين عامي 2015 و2019. وأظهرت النتائج أن النساء اللواتي يعشن في مناطق تضم موقعاً واحداً على الأقل من مواقع النفايات السامة كنّ أكثر عرضة بنسبة تقارب 30% لتشخيص السرطان في مراحله المتقدمة.
كما رصدت الدراسة علاقة واضحة بين ارتفاع مستويات التعرّض لتلوث الهواء، خصوصاً الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5، وبين زيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي الثلاثي السلبي. ويمثّل هذا النوع تحدياً طبياً كبيراً لغياب العلاجات الهرمونية الموجّهة له.
ولم تتوقف النتائج عند حدود الإحصاءات، إذ كشفت دراسة ثالثة أجراها الفريق نفسه عن تغيرات جزيئية داخل أورام الثدي لدى نساء يعشن في مناطق تعاني من التلوث والحرمان الاجتماعي. وأوضح الباحثون أن هذه الظروف تترك "بصمة بيولوجية" يمكن رصدها في الحمض النووي ونشاط الجينات، ما قد يفسر شراسة المرض لدى بعض الفئات.
وقال الدكتور أريستيديس تيلونيس، الأستاذ المساعد في الكيمياء الحيوية بجامعة ميامي، إن مؤشر الحرمان الاجتماعي ارتبط بشكل قوي بظهور أورام أكثر عدوانية، مشيراً إلى أن فهم هذه العلاقة قد يساعد مستقبلاً في تطوير علاجات أكثر تخصيصاً تراعي الظروف البيئية والاجتماعية للمريضات.
دعوة لإعادة النظر في مفهوم الوقاية
وأكدت قائدة الفريق البحثي، الدكتورة إيرين كوبيتز، أن هذه الدراسات جاءت استجابة لمخاوف مجتمعية متزايدة، لافتة إلى أن البيئة التي يعيش فيها الإنسان قد تكون عاملاً حاسماً في مسار المرض، وليس مجرد عامل ثانوي.
ونُشرت نتائج هذه الأبحاث في دوريات علمية محكّمة، من بينها Scientific Reports وCancer Epidemiology, Biomarkers & Prevention، فيما شدد الباحثون على ضرورة إدماج العوامل البيئية والاجتماعية ضمن استراتيجيات الوقاية والكشف المبكر عن سرطان الثدي.
وتسلّط النتائج الضوء على بعد جديد في فهم السرطان، يتجاوز الجينات ونمط الحياة، ليشمل الجغرافيا والتلوث والعدالة الصحية كعوامل لا يمكن تجاهلها.