السعودية كنموذج: كيف تتحوَّل الدولة إلى قوة كبرى مؤثرة عالمياً؟

نورة صالح المجيم
نورة صالح المجيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

غدت السعودية حاليًا من الكبار عالميًا، والبعض يضعها ضمن العشرين الكبار سياسيًا واقتصاديًا، عالميًا، والبعض الآخر يضعها ضمن العشرة الكبار، لكن الشاهد في الأمر أن السعودية لا يتم، أو بالأحرى لا يمكن إغفالها ضمن القوى الكبرى المؤثرة عالميًا بأي حال من الأحوال. إذ إن السعودية الاستثناء العربي الإسلامي الوحيد الذي بات يوضع في خانة القوى الكبرى المؤثرة الفاعلة في العالم، جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وكندا... وغيرها من القوى الغربية والآسيوية الصاعدة.

تعج الكتابات الغربية، خصوصًا، بتحليلات متنوعة تتقصى تفصيلاً التحول العجيب الجذري للسعودية، الذي تم في فترة وجيزة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولعل الجميع قد اتفق على نعت ذلك التحول بـ«المعجزة السعودية»، لأن التحول المعجزي السريع لن ينعكس على الداخل السعودي ودور السعودية الإقليمي فحسب، بل رفع مرتبة السعودية – في فترة وجيزة، على غير المعتاد – إلى مرتبة القوى الدولية الصاعدة، والقوى المتوسطة عالميًا، أسوة بالبرازيل وفرنسا.

أن تتحول دولة وعلى نحو سريع، ليس بالأمر الهين والمعتاد ذلك، فجميع القوى الصاعدة في العالم، وجميع القوى التي نهضت من العادية والصغيرة إلى المتوسطة، قد احتاجت إلى عقود من الاستثمار الداخلي والخارجي المضني، خاصة الداخلي، عقودًا من التنمية والتغلب بجهد على التحديات الكثيرة، واستراتيجيات متغيرة باستمرار شديدة الإرهاق.

ثمة شروط أساسية يجب أن تتحلى بها الدولة الطامحة لرفع مكانتها الدولية وأن تصبح فاعلًا دوليًا مؤثرًا، ومن أهمها: امتلاك الموارد والقدرات المتنوعة، وموقع استراتيجي لو أمكن، وغياب صراعات ونزاعات داخلية خطيرة، وقيادة قوية رشيدة شديدة الطموح في الوقت عينه. وواقع الأمر أن مسألة القيادة الرشيدة الطموحة هي العامل الحاسم بحق في دفع الدولة دفعًا إلى مرتبة الكبار عالميًا، أو تبوؤ الدولة مكانة خارجية مؤثرة بصفة عامة، إقليميًا أو دوليًا، مكانة مؤثرة نسبيًا أو شديدة التأثير كحال السعودية. إذ كم من دول في العالم تمتلك موارد وثروات طبيعية تقدر بتريليونات الدولارات، ومواقع حيوية استراتيجية، لكنها إما لديها قيادة قوية لكنها غير طموحة، أو قيادة ضعيفة، أو قيادة غير رشيدة (وعراق صدام حسين خير دليل على ذلك).

يتحلى القائد التاريخي للسعودية الملك سلمان بن عبدالعزيز بالقوة والحكمة والرشادة والطموح الفائق، وإلى جانبه سمو الأمير ولي العهد محمد بن سلمان، الرشيد والطموح والحكيم مثل والده جلالة الملك سلمان، لإحداث التحول المعجزي التاريخي للسعودية على الصعيدين الداخلي والخارجي. انطلق الأمير محمد بن سلمان لأجل رفع مكانة السعودية إلى مصاف القوى الكبرى عالميًا، من رؤية شديدة الطموح والحكمة والفعالية الفائقة، لم ترتكز فقط على توظيف واستغلال مقدرات المملكة الهائلة، وإرثها التاريخي والعربي والإقليمي والإسلامي العريق؛ بل – وهو الأهم – التوظيف الأمثل والأشمل لتلك المقدرات، والتوقيت والجهة الأنسب لتوظيف كل مقدر على حدة، وفقًا لقراءة شديدة الوعي والواقعية لمتغيرات وتحديات البيئة الإقليمية والدولية.

تبدت حكمة الأمير محمد بن سلمان الفائقة في صب تركيزه الأول الأساسي على الداخل، وهو ما تجسد في رؤية المملكة 2030 الرامية إلى إحداث تحول جذري شامل لكل مناحي الحياة الداخلية السعودية بلا استثناء، إذ ما لبثت السعودية أن أصبحت اقتصادًا شديد القوة قائمًا على التنوع وجذب الاستثمارات، وجامعات متميزة تحتل المرتبة الأولى عربيًا، ومن العشرة الكبار عالميًا، ودولة ثقافية فنية تحتضن سنويًا عشرات الاحتفالات والمهرجانات الأدبية والفنية، ومنتدى رياضيًا عالميًا يجذب إليه أكبر الرياضيين في العالم، خاصة في كرة القدم، وواحدة من أفضل نظم الرعاية الصحية في العالم، وحزمة غير مسبوقة على مستوى حقوق الإنسان والمساواة، خاصة حقوق المرأة.

والمُبتغى من وراء كل ذلك، يتأتى من حكمة وبصيرة الأمير محمد بن سلمان بأن تقوية وازدهار وتقدم الداخل يمثل المرتكز الرئيسي للنهوض الدولي ومناطحة الكبار. إذ بفضل المعجزة الداخلية السريعة، سرعان ما تحولت السعودية أيضًا إلى قوة ناعمة عالمية، إذ تحتل مع الإمارات سنويًا موقعًا متميزًا ضمن العشرة الكبار عالميًا وفقًا لمؤشر القوة الناعمة العالمي.

وعلى المستوى الخارجي، تبدت بوضوح الأهمية الفاعلة في الرشاد والتوقيت والشمول في استغلال وتوظيف المقدرات، وليس امتلاكها فقط، أو توظيفها بصورة تقليدية. إذ انطلاقًا من قراءة الأمير محمد بن سلمان الثاقبة الواقعية للواقع الدولي، ارتأى بأن الاعتماد على قوة دولية واحدة قد أمسى عديم الجدوى وشديد الخطورة في الوقت عينه. ومن ثم، انتقلت السعودية إلى مرحلة التنوع الاستراتيجي الشامل، خاصة في الشراكات مع القوى الكبرى الصاعدة، مثل الهند والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي. وقد منح هذا التنوع مجالًا واسعًا للسعودية لتوسيع دورها العالمي، والمناورة، والتوظيف الأمثل لمقدراتها، خاصة ورقة النفط شديدة الحساسية.

تميزت السياسة الخارجية للأمير محمد بن سلمان بنهج جديد غير مسبوق، وهو الاستباق والمبادرة، حتى على مستوى أخطر القضايا العالمية، مثل الحرب الأوكرانية، وعلى المستوى الإقليمي تصدرت الاستباقية السعودية كل قضايا المنطقة الخطيرة، مثل دور السعودية التاريخي في إنهاء حرب غزة، ومساعيها الحثيثة الحالية لإنهاء الحرب في السودان والتوتر في لبنان، والمساهمة الفعالة في إعادة بناء سوريا الشامل بعد سقوط الأسد.

أمر آخر لا يمكن إغفاله تميز به نهج محمد بن سلمان الخارجي، وهو التركيز على تنمية القوة الصلبة أو العسكرية، بل وإبرازها في الخارج، انطلاقًا من مدركات واقعية للبيئة الإقليمية تحديدًا، التي باتت لا تحترم إلا القوة الخشنة، وأيضًا التركيز الشديد على التكنولوجيا المتطورة، خاصة الذكاء الاصطناعي كتوظيف داخلي واستثمار عالمي، لأنه بات ورقة القوة الأساسية في المستقبل.

في البيان الأخير، تقدم السعودية عبر رؤية الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان نموذجًا يعد استثنائيًا لكيفية التحول السريع من دولة عادية إلى قوة كبرى مؤثرة رائدة عالميًا تناطح القوى العظمى الكبرى، خلاصة هذا النموذج: الجرأة الشديدة في الطموح، التوظيف الرشيد الشامل للمقدرات بما يتضمن التوقيت والمكان الأمثل للتوظيف، المبادرة والاستباق في السياسة الخارجية، القراءة السليمة الواقعية للواقع الدولي، تقوية وازدهار الداخل إلى أقصى قدر ممكن.

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط