لم تعد معركة الاستثمار في المملكة العربية السعودية تدور حول من يجذب رأس المال، بقدر ما باتت تتمحور حول من يُحسن توظيفه وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة. ففي السنوات الأخيرة، شهد ملف الاستثمار الأجنبي مرحلة تحول نوعي تتجاوز منطق الأرقام والتدفقات المالية إلى منطق الأثر الاقتصادي الشامل. ومع تسارع الإصلاحات المؤسسية والتشريعية، وتكريس الاستثمار بوصفه أحد محركات النمو الرئيسة في رؤية المملكة 2030، لم يعد السؤال الجوهري متعلقًا بقدرة المملكة على جذب الاستثمار الأجنبي، بل بقدرتها على توجيهه وتكثيف أثره داخل الاقتصاد الوطني، بما يعزز التنويع، ويدعم الصناعة، ويحقق تنمية اقتصادية مستدامة ومتوازنة جغرافيًا واجتماعيًا. فالتحدي لم يعد في فتح بوابة الاستثمار، بل في ما يحدث بعد عبورها، وكيف تُدار مخرجاتها داخل بنية الاقتصاد الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم مشاركة معالي المهندس/ خالد الفالح وزير الاستثمار في جلسة مجلس الشورى العادية الخامسة عشرة من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة بوصفها انعكاسًا لهذا التحول في النظرة إلى الاستثمار، وتأكيدًا على أن الدولة باتت تتعامل معه باعتباره أداة تنموية استراتيجية، لا مجرد مؤشر تنافسي أو مالي. فالمنجزات التي استُعرضت تحت قبة المجلس، من تأسيس منظومة مؤسسية متكاملة للاستثمار، واعتماد الاستراتيجية الوطنية للاستثمار وتحديثها، وتحقيق نمو غير مسبوق في التراخيص الاستثمارية، واستقطاب مقرات إقليمية كبرى، وتوسيع قاعدة المستثمرين العالميين، لا تمثل نجاحًا إداريًا فحسب، بل تؤسس لمرحلة يكون فيها الاستثمار شأنًا تنمويًا خاضعًا للنقاش والتقويم المؤسسي. غير أن هذا الحراك، على أهميته، لا يكتمل أثره ما لم يُترجم إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يقود إلى سؤال القيمة لا الحجم.
وعند الانتقال من استعراض المنجز إلى تقييم الأثر، يبرز أن القيمة الحقيقية لهذه الإنجازات لا تكمن في حجمها المجرد، بل في كيفية توظيفها داخل الاقتصاد الحقيقي. فالاستثمار الذي يكتفي بالاستفادة من السوق المحلية دون أن يترك أثرًا إنتاجيًا أو صناعيًا أو معرفيًا يظل، في أفضل حالاته، نموًا قصير النفس محدود الجدوى مهما بلغت قيمته. أما الاستثمار الذي يُنشئ قدرات إنتاجية، ويُعمّق سلاسل الإمداد، وينقل التقنية، ويُوطّن المهارات، ويُنشئ روابط مستدامة مع المنشآت الوطنية، فهو الاستثمار القادر على إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد، وتحويل النمو من نمو قائم على الإنفاق إلى نمو قائم على الإنتاجية، وتقليص كلفة الفرصة الضائعة والحد من التسرب الاقتصادي إلى الخارج.
وفي هذا السياق، جاء تحديث الاستراتيجية الوطنية للاستثمار عام 2025 ليعكس تحولًا واعيًا من التركيز على الجذب الكمي إلى التركيز على “الجودة والإنتاجية”. فهذا التوجه ينطلق من إدراك أن المرحلة المقبلة تتطلب منافسة على نوع الاستثمار لا على عدده، وعلى أثره طويل الأجل لا على عوائده السريعة. غير أن نجاح هذا التحول يظل مرهونًا بترجمته إلى أدوات تنظيمية وحوافز مشروطة قابلة للقياس والمساءلة، لا بالاكتفاء بتغيير لغة الاستراتيجية. فالاستثمار الأجنبي في هذه المرحلة ينبغي أن يُقاس بمدى إسهامه في توطين سلاسل الإمداد، ورفع المحتوى المحلي، وخلق وظائف نوعية للمواطنين، وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الصادرات غير النفطية، لا بمجرد ضخ رأس المال أو زيادة عدد الكيانات المرخصة.
ويظل قطاع الصناعة الميدان الأكثر حساسية لقياس صدقية هذا التحول. فالصناعة ليست قطاعًا اقتصاديًا عاديًا، بل هي القلب النابض للتنويع الاقتصادي، ومصدر القيمة المضافة، ومحرّك التوظيف النوعي، ومنصة نقل المعرفة والتقنية. وفي هذا الإطار، لا يقتصر أثر الاستثمار الأجنبي الصناعي على إنشاء مصانع أو خطوط إنتاج، بل يتعداه إلى بناء منظومات إنتاج متكاملة تُعيد توزيع القيمة داخل الاقتصاد الوطني، وتحدّ من التسرب إلى الخارج، وتحوّل الطلب المحلي إلى قاعدة للتصدير والنمو المستدام. ومن ثم، تصبح الصناعة الاختبار الأكثر صدقًا لجدية سياسات الاستثمار، والمعيار الأوضح لقياس أثرها الفعلي.
ولكي ينجح هذا التوجه الصناعي، لا بد أن يستند إلى بيئة تنافسية عادلة. وهنا تبرز أهمية تأكيد الوزارة على مبدأ الحياد التنافسي وأولوية المستثمر المحلي. فالاستثمار الأجنبي لا يُفترض أن يكون بديلًا عن الاستثمار الوطني، بل شريكًا مكملًا له ضمن منظومة واحدة. والتجارب التنموية الناجحة تُظهر أن التوطين الحقيقي لا يتحقق عبر الحماية أو الإقصاء، بل عبر بناء شراكات ذكية تدمج المستثمر الأجنبي في الاقتصاد المحلي، وتفتح المجال لنشوء شركات وطنية قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا. ويتطلب ذلك بيئة تشريعية مستقرة وعادلة، وهو ما أسهمت الأنظمة الحديثة في ترسيخه وتعزيز تنافسية المملكة في المؤشرات الدولية.
ويتجلى مفهوم الأثر بأوضح صوره حين يُقاس بقدرته على تحقيق تنمية إقليمية متوازنة. فتركيز الجهود على تسويق الفرص الاستثمارية في مختلف مناطق المملكة، واستثمار الميز التنافسية لكل منطقة، يعكس إدراكًا بأن النمو المستدام لا يمكن أن يظل متركزًا في المدن الكبرى. فالاستثمار الذي يُوجَّه إلى المناطق الأقل نموًا، حين يُصمم ضمن منظومة متكاملة من البنية التحتية والحوافز والتمويل والموارد البشرية، يتحول إلى أداة اقتصادية محلية تُولّد فرص عمل، وتدعم الاستقرار السكاني، وتقلل الفجوات التنموية، وتُعيد توزيع ثمار النمو على نحو أكثر عدالة.
وفي سياق موازٍ، يبرز بُعدٌ تشريعي لا يقل أهمية عن الحوافز والسياسات الاستثمارية، يتمثل في المقابل المالي للخدمات التي تقدمها الوزارة. فاستنادًا إلى نظام الاستثمار المحدث ولائحته التنفيذية، وما قرره النظام من مبادئ التنافسية والحياد وتشجيع الاستثمار ذي القيمة المضافة، وضمن ما يتيحه النظام من مرونة تشريعية، يُنتظر من الوزارة إعادة النظر في هيكلة هذه المقابلات المالية وربطها بالأثر الاقتصادي الفعلي للاستثمار، لا بمجرد الوجود النظامي للمستثمر في السوق. وفي هذا الإطار، لا تكون المقابلات المالية مجرد أداة مالية، بل إحدى أدوات الحوكمة الذكية للاستثمار. إن تخفيض هذه المقابلات أو إعادة تصميمها بصورة تفاضلية في القطاعات والمشروعات التي تُحقق أثرًا واضحًا يُعد أداة تشريعية فعّالة لا تقل أهمية عن الحوافز المباشرة، ولا سيما في الاستثمارات التي تُنتج أثرًا صناعيًا يُعزّز القيمة المضافة ويُعمّق سلاسل الإمداد، وأثرًا اجتماعيًا يُوفّر وظائف نوعية للمواطنين، وأثرًا إقليميًا يُسهم في تنمية المناطق الأقل نموًا، وأثرًا طويل الأجل يُرسّخ الاستدامة الاقتصادية. ومثل هذا التوجه لا يُمثل تنازلًا ماليًا، بقدر ما يُجسّد استثمارًا تشريعيًا في جودة الاستثمار، ويُحوّل المقابل المالي من عبء ثابت إلى أداة توجيه تحفيزية تُكافئ المستثمر الجاد، وتنسجم مع فلسفة النظام في جعل الاستثمار شريكًا في التنمية لا مجرد مصدر إيراد.
وإذا كان الأثر الاقتصادي يُقاس بالصناعة، فإن استدامته تُقاس بالإنسان. وهنا يكتمل المسار حين يُربط الاستثمار الأجنبي بتنمية رأس المال البشري، كما في قطاع التعليم الذي يُعد أحد القطاعات المحورية المستهدفة. فالاستثمار في التعليم ليس نشاطًا خدميًا تقليديًا، بل استثمار في الإنسان الذي سيقود الصناعة والابتكار والإنتاجية. وعندما يُدمج الاستثمار الأجنبي في التعليم ضمن رؤية وطنية واضحة، ويرتبط مباشرة باحتياجات الصناعة وسوق العمل، فإنه يسهم في صناعة أجيال قادرة على قيادة الاقتصاد المعرفي، ويحوّل التوطين من التزام شكلي إلى قيمة مضافة حقيقية.
إن الصورة التي تتشكل اليوم من خلال ما تحقق وما يُخطط له تشير إلى أن المملكة تقف على أعتاب مرحلة أكثر نضجًا في مسار الاستثمار الأجنبي؛ مرحلة لا تُقاس فيها النجاحات بتراكم الأرقام، بل بعمق الأثر واستدامته. فالتحدي الحقيقي لم يعد في جذب الاستثمار، وقد تجاوزته المملكة بثقة، بل في توجيه هذا الاستثمار ليكون رافعة حقيقية للصناعة، ومولدًا للقيمة المضافة، ومصدرًا لتوطين المعرفة، وأداة فعالة لتنمية المناطق، وبوابة لتنويع مصادر الدخل الوطني بعيدًا عن التقلبات الدورية.
ختامًا، إن الاستثمار الأجنبي، حين يُدار بعقلية الأثر لا بعقلية التدفق، يتحول من هدف اقتصادي إلى أداة استراتيجية للتنمية في إطار رؤية وطنية واعية. وما تمتلكه المملكة اليوم من أطر تشريعية حديثة، واستراتيجيات محدثة، وقدرات مؤسسية متنامية، يؤهلها للانتقال من منافسة على جذب رأس المال إلى ريادة في صناعة نموذج استثماري يوازن بين الجاذبية والكفاءة، وبين الانفتاح والمصلحة الوطنية. وفي هذا التحول تحديدًا، تُكتب الفصول الأهم في قصة اقتصاد سعودي أكثر تنوعًا، وأكثر إنتاجية، وأكثر استعدادًا لمستقبل ما بعد النفط.
* نقلا عن صحيفة "مال"