تسعى دول الخليج العربي - بقيادة المملكة العربية السعودية - للتوسع في قطاع التعدين واستغلال الإمكانات الهائلة التي تضمها المواقع التعدينية، ضمن خطة أشمل لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
ووضعت معظم دول الخليج قطاع التعدين ضمن خططها الاستراتيجية للنمو الاقتصادي، وعلى سبيل المثال يحتل نشاط التعدين أهمية كبيرة في رؤية السعودية 2023، كما تشهد سلطنة عمان نشاطاً متزايداً لعمليات طرح وترسية المواقع التعدينية، وكذلك الحال في دول الخليج الأخرى.
وعلى مدار السنوات الماضية ارتفعت حصة نشاط التعدين في اقتصادات دول الخليج، ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فإن إجمالي القيمة المضافة للقطاع غير النفطي في دول المجلس بلغ بنهاية عام 2023 نحو 1.5 تريليون دولار بالأسعار الجارية، فيما سجلت القيمة المضافة للقطاع النفطي 603.5 مليار دولار.
وأشارت البيانات إلى أن مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج الإجمالي الخليجي بالأسعار الجارية ارتفعت في نهاية 2023 إلى 71.5% مقارنة بـ 65% في 2022، مسجلة معدل نمو سنوي 6.4%.
وجاءت أنشطة التعدين واستغلال المحاجر الأكثر مساهمة في اقتصاد دول المجلس خلال السنوات الخمس الأخيرة بمتوسط 28.3%، فيما كانت أنشطة الصناعة التحويلية الأعلى مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع غير النفطي بمتوسط 11.7%.
واستفادت دول الخليج من التقدم التكنولوجي الكبير في عمليات استخراج الثروات التعدينية، كما استعانت بشركات عالمية كبرى للعمل في القطاع وتطوير الإمكانيات المحلية، ما أدى إلى تطور هائل في آليات عمل الشركات الخليجية العاملة في قطاع التعدين.
الصدارة سعودية
تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر عدد من المناجم بين دول الخليج العربي، ويتم ضخ استثمارات كبيرة في قطاع التعدين للاستفادة من الثروات المعدنية الهائلة، كما يقود صندوق الاستثمارات العامة السعودي تحولاً صناعياً عميقاً من خلال استثمارات استراتيجية مكثفة في قطاع التعدين لتأمين سلاسل الإمداد الحيوية وتعزيز استقلالية الاقتصاد الوطني بعيداً عن النفط.
ويتجه الصندوق بخطى ثابتة نحو ترسيخ قطاع التعدين كركيزة ثالثة للاقتصاد، عبر شركات وطنية رائدة مثل "معادن" التي تمثل الذراع التنفيذية لتطلعات المملكة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والموارد المستدامة.
ويبرز تحويل التعدين إلى "الركيزة الثالثة" للاقتصاد السعودي وتنويعه كهدف نهائي، بالإضافة إلى جعل المملكة قوة عالمية في مجال المواد الحيوية، ولتحقيق ذلك، يركز الصندوق على تطوير سلسلة القيمة الكاملة للقطاع، بدءاً من الاستكشاف في المنبع، ومروراً بالمعالجة اللاحقة والتكرير، وانتهاءً بتصنيع المنتجات النهائية.
ويعمل الصندوق على إطلاق قدرات القطاع عبر الاستثمار في توسعة قدرات الاستكشاف والتعدين، وأبرز أدواته في ذلك هي حصته في شركة التعدين العربية السعودية "معادن"، التي تعد إحدى أسرع شركات التعدين نمواً في العالم وأكبر شركة تعدين متعددة السلع في الشرق الأوسط.
وقد أبرمت "معادن" سلسلة من الشراكات الاستراتيجية لتعزيز قدراتها، حيث استحوذت "معادن" على حصة 9.9% في شركة "إيفانهو إلكتريك" الأميركية المتخصصة في تقنيات التنقيب، مقابل 126.5 مليون دولار، ويهدف التحالف إلى إطلاق مشروع مشترك لمسح 48.5 ألف كيلومتر مربع من الأراضي السعودية لاكتشاف معادن استراتيجية جديدة (النحاس، النيكل، الذهب، الفضة) لتعزيز سلسلة الإمداد المحلية.
وتعمل "معادن" وفق خطة استراتيجية طموحة تستهدف مضاعفة الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب والاستهلاك وإهلاك الدين بمقدار 10 أضعاف بحلول عام 2040، مستندةً إلى 4 ركائز: الاستفادة من موارد المملكة، والتركيز على القيمة، وزيادة الإنتاجية، والريادة في الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة.
ولضمان استدامة سلاسل الإمداد من خارج المملكة، أطلق صندوق الاستثمارات العامة بالشراكة مع "معادن" في عام 2023 شركة "منارة المعادن للاستثمار"، وتعمل هذه الشركة كرائد وطني يهدف للاستحواذ على حصص أقلية في مناجم عالمية لتأمين المعادن الاستراتيجية التي لا تتوفر محلياً أو التي لم يتم استكشافها بعد.
وتشير هذه التحركات إلى أن قطاع التعدين في المملكة مقبل على إنجازات كبيرة في مجال تحفيز النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، والإسهام في توفير فرص العمل ودعم التنوع الاقتصادي.
ويستفيد القطاع بشكل مباشر من حوافز مخصصة لجذب المستثمرين الأجانب، إلى جانب تطوير اللوائح الحكومية الهادفة لتطوير بيئة الأعمال وتسريع عمليات استخراج التراخيص، لتتكامل بذلك جميع الجهود نحو تحقيق المستهدفات الاستراتيجية لرؤية السعودية 2030.
مشروعات سعودية جديدة
ومؤخراً، أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية عن فوز 24 شركة وتحالفاً محلياً وعالمياً برخص الكشف في 172 موقعاً تعدينياً منها 76 موقعاً انتقلت إلى مرحلة المزاد العلني متعدد الجولات، وتتوزّع تلك المواقع على ثلاثة أحزمة متمعدنة في مناطق الرياض والمدينة المنورة والقصيم، بإجمالي إنفاق على الاستكشاف يتجاوز 671 مليون ريال في أول عامين من برامج العمل.
وأشارت الوزارة إلى أن هذه المنافسة التعدينية تعد الأكبر في تاريخ المملكة، وتأتي في إطار جهود الوزارة المستمرة لتسريع وتيرة استكشاف واستغلال الثروات المعدنية المقدرة قيمتها بأكثر من 9.4 تريليون ريال، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تركز على تحويل قطاع التعدين ليصبح الركيزة الثالثة للصناعة الوطنية.
وتغطي المنافسة مساحة تتجاوز 24 ألف كيلومتر مربع موزعة على أحزمة "الدويحي/نبيطة" للذهب في منطقة الرياض، و"النقرة" و"صخيبرة/الصفراء" للذهب في منطقة المدينة المنورة والقصيم، وهي مناطق غنية بمعادن استراتيجية تشمل الذهب، والنحاس، والفضة، والزنك، والنيكل، حيث شهدت هذه المنافسة إقبالاً واسعاً من الشركات المحلية والدولية، ما يعكس تنامي الثقة في بيئة الاستثمار التعديني في المملكة وجاذبيتها على المستويين الإقليمي والدولي.
وفيما يخص الفرص المستقبلية، أوضحت الوزارة استمرار طرح المنافسة على رخص الكشف في عدد من المواقع التعدينية تغطي مساحتها 13 ألف كيلومتر مربع في مناطق المدينة المنورة، ومكة المكرمة، والرياض، والقصيم، وحائل، إضافة إلى مواقع جديدة امتداداً للأحزمة المتمعدنة المطروحة في المنافسة السابقة.
وستعلن الوزارة عن فرص استكشاف واستثمار إضافية لعام 2026 خلال النسخة الخامسة من منتدى مستقبل المعادن، المقرر إقامته خلال الفترة من 13-15 يناير 2026، بمدينة الرياض.
سلطنة عمان
تعتمد سلطنة عمان على قطاع التعدين لتنويع اقتصادها ضمن مستهدفات رؤية "عمان 2040"، وذلك من خلال طرح مناطق امتياز جديدة على الشركات بشكل مستمر بالإضافة إلى توفير التشريعات الجاذبة للمستثمرين ومنح حوافز لتشجيع الشركات المحلية والعالمية على التوسع بقطاع التعدين.
وخلال شهر أغسطس الماضي، وقعت وزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان ثلاث اتفاقيات جديدة للتنقيب والتعدين مع شركتين متخصصتين، بهدف تعزيز قطاع التعدين وتطوير القيمة المضافة للثروات المعدنية، في أحدث مشروعات يتم الإعلان عنها بالقطاع.
ويقدر إجمالي الاستثمارات في هذه المشروعات والذي يشمل المصانع والدراسات وخطط التعدين 192 مليون ريال عُماني "500 مليون دولار" وفق المعايير العالمية المعتمدة.
وتنص الاتفاقية الأولى على منح حقوق التنقيب والتعدين لشركة الخليج لمواد المعادن في منطقة الامتياز 11-C بمحافظة البريمي التي تمتد على مساحة 1089 كيلومتراً مربعاً وتتميز بسلسلة صخور الأفيولايت ومؤشرات لوجود خامات النحاس والكروم، وفق وكالة الأنباء العمانية.
أما الاتفاقيتان الثانية والثالثة فتشملان منطقتي الامتياز 51-G1 و51-G2 في محافظة الوسطى، حيث وقّعت الوزارة مع شركة نوفل مسقط العالمية اتفاقيتين لتنفيذ مشروع صناعي متكامل في منطقة 51-G2 على مساحة تمتد إلى 30 كيلومتر مربع، أما في منطقة 51-G1 والتي تغطي مساحة 558 كيلو متر مربع، فسيُقام مصنع لإنتاج الجير المطفي حيث ستبدأ الشركة بتنفيذ دراسات استكشافية لتحديد مواقع الخامات وجودتها وتقدير احتياطياتها في تكوينات جيولوجية غنية بالسيلكا والحجر الجيري والأطيان المختلفة.
الإمارات
تسعى الإمارات إلى زيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي غير النفطي إلى 5% بحلول 2030، وذلك من خلال الشراكات الدولية والتوسع في استغلال المناطق التعدينية وزيادة نسبة الشركات العاملة في قطاع التعدين والصناعات المرتبطة به.
وتضم الإمارات عدداً من المناجم والتي تشمل منتجات منها الحجر الجيري والحجر الرملي والدولوميت والكوارتزيت، كما تعمل الإمارات على استكشاف مناطق تعدينية أخرى خاصة المناجم التي تنتج الذهب والنحاس.
وتعمل الإمارات على تحديث البيئة التشريعية في قطاع التعدين بشكل مستمر وتوفير الحوافز الجاذبة للمستثمرين، بالإضافة إلى ضخ استثمارات خارجية في المشروعات التعدينية بدول متعددة.
البحرين
يعتبر قطاع التعدين والمحاجر من أكبر القطاعات في اقتصاد البحرين، حيث تم وضع خطة للتوسع في مشروعات التعدين وزيادة مساهمة القطاع المنجمي في الاقتصاد.
ويأتي توسع البحرين في قطاع التعدين ضمن استراتيجيتها الوطنية للطاقة التي تهدف إلى تنويع مزيج الطاقة، وخفض الانبعاثات بنسبة 30% بحلول عام 2035.
وخلال شهر سبتمبر الماضي، أصبحت البحرين أول دولة في الشرق الأوسط تدعم صناعة التعدين في أعماق البحار بعد رعايتها للطلب الذي تقدمت به شركة "إمبوسيبل ميتالز" للحصول على ترخيص من الهيئة الدولية لقاع البحار للتنقيب في منطقة كلاريون - كليبرتون بالمحيط الهادئ التي تضم ترسبات متعددة المعادن.
وتتولى الهيئة الدولية لقاع البحار التابعة لمنظمة الأمم المتحدة الإشراف على أنشطة التعدين في أعماق البحار الدولية، ويجب على أي شركة تسعى للحصول على ترخيص للتنقيب عن المعادن أن تكون مدعومة من دولة راعية.