قال رئيس التشغيل في شركة سبائك، محمد صلاح، إن التحركات الأخيرة في أسعار الذهب تعكس تغيرًا جذريًا وغير مسبوق في ديناميكية السوق، مشيرًا إلى أن المعدن الأصفر حقق ارتفاعات خلال شهور قليلة كانت تستغرق في السابق سنوات طويلة.
وأوضح صلاح، خلال مقابلة مع "العربية Business" أن الذهب احتاج نحو 15 عامًا للانتقال من 1000 إلى 2000 دولار، ثم خمس سنوات للصعود من 2000 إلى 3000 دولار، قبل أن ينتقل من 3000 إلى 4000 دولار خلال ستة أشهر فقط، ثم من 4000 إلى 5000 دولار في أقل من أربعة أشهر.
وأشار إلى أن هذه القفزات السعرية لا يمكن اعتبارها صحية من حيث السلوك الطبيعي للأسواق، إلا أنها تعكس تغيرًا كاملًا في ديناميكية تداول الذهب خلال الفترة الأخيرة، مؤكدًا أن ما كان يستغرق سنوات أصبح يحدث خلال شهور قليلة.
وأضاف أن الذهب يواجه مقاومة قوية عند مستوى 5065 دولارًا، موضحًا أنه في حال استقرار الأسعار فوق هذا المستوى لجلستين متتاليتين، فإن السوق قد يشهد صعودًا إلى مستوى 5300 دولار بنهاية الأسبوع أو مع بداية الشهر القادم.
عوامل داعمة للارتفاع
وأكد رئيس التشغيل في سبائك أن البيئة الحالية للأسواق "غير صحية ولكنها مناسبة" لمثل هذه الارتفاعات، في ظل مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها تداولات (فوات الفرصة) FOMO، وعمليات Basement Trade، ومخاوف الين الياباني، إضافة إلى المخاوف الجيوسياسية المتصاعدة.
ولفت إلى أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة، وخاصة بعد الإعلان عن انتقال حاملة الطائرات الأميركية "لينكولن" إلى منطقة الشرق الأوسط، وما تبع ذلك من تصعيد استمر لأكثر من أسبوع، كان لها دور كبير في دفع أسعار الذهب نحو مستويات 5000 دولار قبل نهاية الجلسات.
وأوضح صلاح أن السوق تترقب عددًا من الأحداث المؤثرة، من بينها تقرير مجلس الذهب العالمي المرتقب صدوره الأسبوع المقبل، إلى جانب قرارات الفيدرالي الأميركي، مشيرًا إلى أن هذه الأحداث تظل عوامل داعمة لاستمرار الزخم الحالي.
رالي الأفراد.. تداولات غير مدروسة
وبيّن أن المحرك الرئيسي للرالي الأخير في أسعار الذهب هو تداولات الأفراد، التي يغلب عليها طابع FOMO، حيث يتحرك المستثمرون الأفراد بقوة وبشكل غير مدروس استجابة للأخبار، مؤكدًا أن هذا النمط من التداولات عادة ما يرفع من مخاطر التراجعات الحادة، إلا أنه لا يرى أن الذهب مقبل على تصحيحات كبيرة في المرحلة الحالية.
وفيما يتعلق بإمكانية حدوث تصحيح سعري بعد الارتفاع بنحو 800 دولار منذ بداية العام، أكد صلاح أن هذا السيناريو وارد بطبيعة الحال، موضحًا أن ديناميكية الأسواق لا تسمح بالتحرك في اتجاه واحد بشكل دائم، وأن أي اتجاه صاعد لا بد أن يتخلله تصحيح.
وأضاف أن الذهب خلال الفترة الماضية كان في مرحلة "تسعير للأحداث"، موضحًا أن المعدن الأصفر غالبًا ما يرتفع قبل وقوع الحدث، ثم يبدأ في التراجع بعد بدء الحدث مباشرة، مشيرًا إلى أن حالة عدم الحسم بشأن تنفيذ أو إلغاء أية عملية عسكرية ضد إيران هي العامل الأساسي الذي ساهم في استمرار الارتفاعات الأخيرة.
وأكد أنه في حال استقرار الذهب فوق مستوى 5065 دولارًا خلال الجلسة القادمة، فقد يصل إلى 5300 دولار بسهولة قبل نهاية الربع الأول، أما في حال حدوث تهدئة سياسية، فمن المرجح أن يتراجع إلى مستويات 4800 دولار.
تحذيرات من ارتفاع الفضة
وعن الفضة، أوضح رئيس التشغيل في سبائك أن الأسعار قد تمتد إلى مستوى 120 دولارًا قبل نهاية الربع، لكنه شدد على ضرورة توخي الحذر الشديد، مؤكدًا أن الفضة لا تمتلك دعمًا قويًا من الأساسيات يبرر هذه الارتفاعات.
وأشار إلى أن مؤسسات مالية كبرى، من بينها بنك أوف أميركا، ترى أن السعر العادل للفضة – بناءً على الطلب الصناعي والطلب الطبيعي – يتراوح بين 60 و70 دولارًا، لافتًا إلى أن الطلب الصناعي وحده يمثل أكثر من 60% من إجمالي الطلب على الفضة.
وأوضح أنه رغم وجود عجز في سوق الفضة منذ خمس سنوات، فإن التحركات الحالية مدفوعة بشكل أساسي بتداولات FOMO من المستثمرين الأفراد، وهي تداولات مضاربية بحتة لا تعكس سلوك الملاذ الآمن، بخلاف الذهب الذي يحظى بدعم قوي من مشتريات البنوك المركزية، ما يجعل أي تراجع محتمل فيه أقل حدة ولا يصل إلى مستوى الانهيار.
توصيات ضبط المحفظة الاستثمارية
وفيما يخص سلوك المستثمرين الأفراد خلال هذه المرحلة، شدد صلاح على أهمية إدارة المخاطر، وعدم الدخول بكامل السيولة دفعة واحدة، موصيًا بالدخول إلى الذهب عبر متوسطات سعرية، سواء من المستويات الحالية أو عند التراجعات.
وأكد أن الذهب يستهدف مستوى 6000 دولار على الأقل قبل نهاية العام، لكنه شدد على ضرورة الحذر في التداولات قصيرة الأجل، وعدم استخدام الرافعة المالية بشكل مفرط، مع تقسيم المراكز والدخول التدريجي.
وأوضح أن المستثمر طويل الأجل يمكنه تخصيص ما بين 10% و15% من محفظته للذهب دون مشكلة، مشيرًا إلى أن ضعف الدولار كان ولا يزال عاملًا رئيسيًا ومؤثرًا في دعم أسعار الذهب منذ بداية العام.
أما بالنسبة للفضة، فنصح بعدم تجاوز نسبة 5% من المحفظة في الوقت الحالي، مع إمكانية زيادة النسبة لنحو 10% فقط في حال تراجع الأسعار إلى ما دون مستوى 80 دولارًا، مع الالتزام بإدارة المخاطر ووضع حدود للخسائر.
وحول كيفية وصول الذهب إلى مستوى 6000 دولار، قال صلاح إن ذلك "سهل للغاية" في ظل وتيرة التحركات الحالية، مشيرًا إلى أن الانتقالات السعرية الأخيرة تثبت قدرة الذهب على تحقيق قفزات كبيرة خلال فترات قصيرة، مضيفًا أنه كان "كريمًا" حين توقع الوصول إلى هذا المستوى قبل نهاية العام، إذ قد يتحقق ذلك في وقت أقرب إذا لم تتضح الرؤية بشأن الاقتصاد الأميركي.
وأكد أن غياب خريطة واضحة للاقتصاد الأميركي واستمرار حالة عدم اليقين سيدفعان المستثمرين إلى الذهب كملاذ آمن، لافتًا إلى أنه يصف الوضع الحالي بـ"Trump Gold"، معتبرًا أن الذهب سيستفيد بشكل كبير من سياسات دونالد ترامب المحتملة حتى عام 2028. أكد صلاح على أن جميع ما ورد في تصريحاته يندرج ضمن إطار التحليل المالي، وليس توصية بالشراء أو البيع.