لم تحتج سوق الأسهم الإندونيسية سوى يومين من الاضطرابات الحادة حتى تكشف ما ظل المستثمرون يشكون منه لسنوات: أجزاء كاملة من السوق لا تتداول بحرية.
الهبوط العنيف الذي شهدته البورصة الأسبوع الماضي – وهو الأسوأ في ما يقرب من 3 عقود – سلط الضوء على معضلة جوهرية في أكبر سوق أسهم بجنوب شرق آسيا: حفنة من المليارديرات تسيطر على حصص ضخمة في شركات مدرجة، ما يترك جزءاً ضئيلاً فقط من الأسهم للتداول الفعلي.
تُظهر بيانات "بلومبرغ للمليارديرات" أن 3 من كبار الأثرياء في البلاد يملكون أكثر من 85% من أسهم 3 شركات مدرجة. كما يمتلك أغنى شخص في المنطقة حصة مباشرة وغير مباشرة تتجاوز ثلثي أسهم شركة "Barito Renewables Energy"، أكبر شركة مدرجة في إندونيسيا من حيث القيمة السوقية. وبشكل عام، يملك نحو 7 مليارديرات أكثر من 50% من أسهم 13 شركة على الأقل.
هذه التركّزات الضخمة تصطدم اليوم بحزمة إصلاحات تنظيمية مرتقبة. فقد أعلنت هيئة الرقابة المالية أن الشركات الجديدة ستُجبر على مضاعفة الحد الأدنى لنسبة الأسهم الحرة المتاحة للتداول ليصل إلى 15%، على أن تلتحق الشركات الحالية بالمتطلبات نفسها لاحقاً. جاء ذلك استجابة لملاحظات من مزوّد المؤشرات العالمية MSCI بشأن تراجع قابلية الاستثمار في سوق إندونيسيا البالغة قيمتها 870 مليار دولار.
وقال رئيس استراتيجية أسواق الأسهم الناشئة في "Tellimer" حسنين مالك، إن بيان "MSCI" الأخير شكّل صفعة قوية للسوق، لأنه أعاد إبراز مخاوف المستثمرين من ضعف الأسهم الحرة، وغموض هياكل الملكية، وإمكانية التلاعب بالأسعار من خلال الأطراف ذات الصلة.
على مدار سنوات، أعرب المستثمرون عن قلقهم من أن أكبر الشركات في جاكرتا تتداول بشكل محدود بسبب احتفاظ الملاك الرئيسيين بحصص ضخمة. فالملياردير براجوغو بانغستو، صاحب ثروة تقدر ب35.2 مليار دولار، يسيطر على 84% من أسهم "Petrindo Jaya Kreasi" ولديه حصة مباشرة وغير مباشرة تبلغ 68% في "Barito Renewables".
أما الملياردير سري براشاك لوهيا، الذي يمتد نشاطه من الأسمدة إلى القفازات الطبية، فيمتلك 92.3% من "Indo‑Rama Synthetics". فيما يسيطر الملياردير تاهر على نحو 86% من شركة "Maha Properti Indonesia"، التي قفز سهمها بنحو 443% خلال العام الماضي رغم انخفاض سيولته.
وتكشف البيانات أن ربع الشركات المدرجة في بورصة جاكرتا تمتلك أسهماً حرة عند 15% أو أقل، وهي واحدة من أعلى معدلات التركّز في آسيا والمحيط الهادئ، مقارنة ب 6.9% فقط في ماليزيا، و3.3% في تايلاند، و12% في الفلبين.
ويرى محللون أن هذا المستوى من التركّز يجعل السوق عرضة للتشويه. ففي العام الماضي، قفز مؤشر Jakarta Composite بنسبة 22%، بينما تراجع مؤشر MSCI Indonesia – الذي يعتمد قواعد أكثر صرامة في حساب الأسهم المتاحة للتداول – بنسبة 3.6%.
وأوضح مدير محفظة في "ليون غلوبال إنفستورز" تشيه كاي سو، أن هذا الفارق يوضح إلى أي مدى تأثر المؤشر المحلي بشركات مملوكة بشكل مفرط ولا تعكس تداولات حقيقية.
وكانت MSCI قد صعّدت لهجتها الأسبوع الماضي، محذرة من أن استمرار غموض الهياكل الملكية قد يكلّف إندونيسيا تصنيفها كسوق ناشئة، وهو تصنيف يجذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية. وطالبت الشركة السلطات الإندونيسية بتوفير شفافية أكبر قبل مايو المقبل، وإلا قد تُخفض السوق إلى فئة الأسواق الحدودية.
وتعتقد ثيا جاميسون، المديرة في Change Global Investment، أن هذا التحذير يمثل “نقطة تحول حقيقية لأسواق المال الإندونيسية”، وأنه قد يطلق موجة إصلاحات من شأنها تعزيز الثقة على المدى الطويل.
ورغم أن الهياكل المعقدة ليست جديدة على السوق الإندونيسية – حيث تلجأ العائلات الثرية إلى شبكات من الملكيات المتقاطعة – فإن MSCI تؤكد أنها بحاجة إلى بيانات أكثر وضوحاً ودقة لتحديد الأسهم المتاحة للتداول فعلياً.
وقال كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في "Lombard Odier" هومين لي، إن بعض هذه المخاوف مشروعة، مضيفاً أن مؤسسته تتوخى الحذر حالياً.
لكن الالتزام بالمعايير الجديدة قد يكون مؤلماً للمجموعات الكبرى، إذ سيجبرها على عمليات بيع واسعة لرفع نسبة الأسهم الحرة، وهو ما سيخلق ضغوطاً بيعية لا مفر منها، بحسب هرديتيا ويكاسانا من "MNC Sekuritas".
وقالت شركة "باريتو" إنها تتابع التطورات التنظيمية وستنتظر إرشادات إضافية، بينما لم ترد كل من "Indo‑Rama" و"Maha Properti" و"Petrindo" على استفسارات بلومبرغ حول خططها للتوافق مع القواعد الجديدة.
بدورها، أكدت هيئة الرقابة المالية أن التغيير قادم "ولو تدريجياً"، موضحة أن تطبيق الحد الأدنى الجديد سيبدأ مع الطروحات الأولية، بينما تحصل الشركات المدرجة حالياً على فترة انتقالية، مع استهداف بدء التنفيذ بحلول مارس.
قال رئيس الأبحاث في "DZT Research"، كي يان، إن "رفع نسبة الأسهم الحرة خطوة ضرورية لبناء قاعدة تداول صحية"، لكنه يشدد على أن الشفافية في الملكية لا تقل أهمية، حتى يتمكن المستثمرون من تقييم الحجم الحقيقي للأسهم المتاحة.