توصل باحثون من جامعة روتشستر الأميركية إلى اكتشاف يغيّر مفاهيم راسخة في علم الرؤية، إذ أظهرت نتائجهم أن حركات العين لا تُربك الدماغ كما كان يُعتقد سابقًا، بل تساعده على تفسير العالم ثلاثي الأبعاد بدقة.
وتشير الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Communications، إلى أن الدماغ لا يقوم بإلغاء الحركة البصرية الناتجة عن تحرك العين، بل يستخدمها كمصدر معلومات مهم لتحديد موقع الأجسام وعمقها واتجاه حركتها.
فكرة قديمة.. ونتيجة معاكسة
ولسنوات طويلة، ساد الاعتقاد بأن حركة الصور على شبكية العين الناتجة عن تحرك العين تُعد "ضوضاء بصرية" يجب على الدماغ تجاهلها أو تصحيحها. لكن الفريق البحثي، بقيادة البروفيسور غريغ دي أنجيليس، وجد أن هذه الحركة البصرية تحمل أنماطًا مفيدة للغاية.
ويقول دي أنجيليس: "كان يُنظر إلى حركة الصورة الناتجة عن تحريك العين على أنها أمر مزعج يجب التخلص منه، لكننا وجدنا أن الدماغ يحلل هذه الأنماط ويستخدمها لفهم كيفية تحرك العين بالنسبة للعالم من حولنا".
واعتمد الباحثون على بيئات واقع افتراضي ثلاثية الأبعاد، حيث طُلب من المشاركين تثبيت أنظارهم على نقطة محددة، بينما تتحرك أجسام أخرى داخل المشهد.
وخلال التجربة، قيّم المشاركون اتجاه حركة الأجسام، ومدى قربها أو بعدها مقارنة بنقطة التثبيت.
وأظهرت النتائج أن الأخطاء التي وقع فيها المشاركون لم تكن عشوائية، بل تطابقت بدقة مع نموذج نظري جديد وضعه الباحثون، ما يؤكد أن الدماغ يستخدم معلومات حركة العين فعليًا في تفسير المشهد.
وعندما تتحرك العين، تتحرك الصورة على الشبكية حتى لو كان الجسم ثابتًا. وبدلًا من تجاهل هذه الحركة، يقوم الدماغ بتحليلها، ويجمعها مع إشارات أخرى ليستنتج هل الجسم يتحرك أم ثابت؟ وما سرعته الحقيقية؟ وأين يقع في الفضاء ثلاثي الأبعاد؟.. وبهذا المعنى، تصبح حركة العين أداة قياس يستخدمها الدماغ لفهم العالم بدقة أكبر.
آثار تتجاوز علم الأعصاب
ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على فهم الرؤية البشرية فقط، بل تمتد إلى تكنولوجيا الواقع الافتراضي. إذ يشير الباحثون إلى أن العديد من نظارات الواقع الافتراضي لا تأخذ في الحسبان العلاقة بين حركة العين وحركة الصورة المعروضة.
ويحذّر دي أنجيليس من أن هذا الخلل قد يفسر سبب الدوار أو الغثيان الذي يشعر به بعض المستخدمين أثناء استخدام تقنيات الواقع الافتراضي، نتيجة عدم تطابق ما يراه الدماغ مع ما يتوقعه بناءً على حركة العين.
وتؤكد الدراسة أن الرؤية ليست عملية سلبية تقتصر على استقبال الصور، بل هي تفاعل نشط بين العين والدماغ والحركة. ومع كل رمشة أو تتبع بصري، يعيد الدماغ بناء خريطة ثلاثية الأبعاد للعالم من حولنا.