قال المدير السابق بمنظمة التجارة العالمية (WTO) الدكتور عبد الحميد ممدوح، إن المشهد الحالي المتعلق بتوقيع اتفاقية تجارة حرة بين الولايات المتحدة والهند، بالشروط المطروحة، يعكس في جوهره ممارسة للقوة والهيمنة من جانب الولايات المتحدة في إطار عقد اتفاقيات ثنائية.
وأوضح في مقابلة مع "العربية Business" أن الولايات المتحدة تسعى، من خلال هذه الاتفاقيات، إلى انتزاع تنازلات غير مسبوقة من الطرف الآخر، مقابل تقديم تنازلات محدودة في المقابل.
وأشار إلى أن ما جرى الاتفاق عليه حتى الآن لا يتجاوز كونه اتفاقًا إطاريًا يحدد موضوعات التفاوض وحدودها خلال الأشهر المقبلة، إلا أن هذا الإطار، وفقًا لما طُرح، يصب بالكامل في مصلحة الولايات المتحدة.
وبيّن أن واشنطن تطالب بخفض التعريفات الجمركية إلى صفر على جميع السلع الصناعية الأميركية الداخلة إلى السوق الهندية، في حين أن ملف خفض التعريفات الجمركية على السلع الهندية الواردة إلى السوق الأميركية مرّ بمراحل متقلبة، بدأت بفرض رسوم بنسبة 25%، ثم أضيفت رسوم عقابية إضافية بنسبة 25% على خلفية شراء الهند للنفط الروسي.
وأضاف أن إعلان الهند لاحقًا نيتها التوقف عن شراء النفط الروسي فتح الباب أمام استئناف المفاوضات، ليجري تخفيض الرسوم إلى نحو 18% على السلع الهندية المصدّرة إلى الولايات المتحدة.
وأشار ممدوح إلى أن الهند تعهدت كذلك بزيادة وارداتها من الولايات المتحدة وشراء سلع بقيمة تصل إلى 500 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، مؤكدًا أن مثل هذه الالتزامات لا يمكن اعتبارها تنازلات طبيعية في إطار أي مفاوضات تجارية متكافئة بين دولتين، واصفًا المشهد الحالي بأنه أقرب إلى ممارسة الضغوط السياسية منه إلى تمثيل علاقات تجارية طبيعية.
مقارنة اتفاق الهند مع واشنطن وبروكسيل
وفي مقارنة بين هذا الاتفاق والاتفاق التجاري الذي أبرمته الهند مع الاتحاد الأوروبي مؤخرًا، أوضح ممدوح أن الاتفاق مع أوروبا جرى في مناخ مختلف تمامًا، وفي ظل ظروف اتسمت بقدر أكبر من التوازن في التنازلات المتبادلة.
ولفت إلى أن الاتحاد الأوروبي، وللمرة الأولى في إطار مثل هذه الاتفاقيات، وافق على تحرير انتقال العمالة من الهند إلى دول الاتحاد ضمن اتفاقية تجارة الخدمات، فيما يُعرف ب"الأسلوب الرابع لتوريد الخدمات"، والذي يسمح بانتقال آلاف الأشخاص الطبيعيين، وهو أمر غير مسبوق.
وأضاف أن الاتحاد الأوروبي تعهد كذلك بإنشاء مكتب متخصص لتسهيل إجراءات دخول العمالة الهندية إلى السوق الأوروبية، إلى جانب تفاصيل أخرى كثيرة تعكس الفارق الكبير بين اتفاق الهند مع أوروبا واتفاقها مع الولايات المتحدة من حيث مستوى التوازن والندية.
وأشار ممدوح إلى أن توجه الهند لعقد اتفاقيات من هذا النوع مع دول أخرى يأتي مدفوعًا في الأساس بالضغوط الأميركية، موضحًا أن الهند ليست الدولة الوحيدة التي تلجأ إلى تحالفات جديدة نتيجة السياسة الأميركية، بل إن هذا التوجه يشمل دولًا عديدة في ظل الواقع الجديد الذي يشهده النظام التجاري العالمي.
وأوضح أن هذا الواقع جرى نقاشه خلال اجتماعات دافوس 2026 الأخيرة، مشيرًا إلى الخطاب الذي ألقاه رئيس وزراء كندا، مارك كارني، والذي أكد فيه أن النظام الدولي القائم على قواعد قانونية مستقرة وعلاقات تجارية متوقعة قد انهار.
وأضاف أن الدول باتت اليوم أمام خيار سياسي واضح في مواجهة الولايات المتحدة، إما الخضوع الكامل للضغوط الثنائية الأميركية، أو السعي، على الأقل، إلى بناء نظام جديد قائم على قواعد توفر قدرًا من اليقين وإمكانية التنبؤ.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، قال ممدوح إن سياسة "أميركا أولًا" التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ستؤدي إلى تحول الولايات المتحدة إلى "أميركا وحدها"، ليس بمعنى توقف الدول عن التعامل معها، وهو أمر غير متوقع، ولكن من حيث تراجع الاعتماد عليها تدريجيًا، سواء كسوق رئيسية أو كحليف يمكن الاعتماد عليه.
وأوضح أن المساعي الجيوسياسية التي تشهدها الساحة الدولية اليوم تهدف إلى تقليل الاعتماد على السوق الأميركية في العلاقات التجارية، وكذلك تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي، لا سيما من جانب حلفائها التقليديين مثل كندا وأوروبا ودول أخرى.
وأكد أن هذا التوجه قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تعامل الولايات المتحدة مع العالم عبر علاقات ثنائية، ولكن في إطار أقل دعمًا وتأييدًا لمصالحها.