ترامب يرسم مساراً تجارياً جديداً بعد أن قيّدت المحكمة العليا سلاح الرسوم الجمركية

قدرة ترامب على الرد السريع على التحولات الجيوسياسية باستخدام الرسوم أصبحت أكثر تقييداً

المصدر: الرياض - العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
9 دقائق للقراءة

تعرّض الرئيس الأميركي دونالد ترامب لضربة قضائية قوية بعدما أبطلت المحكمة العليا الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة استخدام التعريفات كأداة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن الجدار الحمائي الذي بناه حول أكبر اقتصاد في العالم لن يعود كما كان، كما أن قدرته على الرد السريع على التحولات الجيوسياسية باستخدام الرسوم أصبحت أكثر تقييداً.

شنّ ترامب هجوماً لاذعاً على المحكمة العليا عقب حكمها التاريخي بأغلبية 6 مقابل 3، والذي ألغى العديد من الرسوم التي فرضها العام الماضي. وبعد ساعات فقط، أعلن فرض تعريفة عالمية جديدة بنسبة 10%، قبل أن يرفعها في اليوم التالي إلى 15%، متعهداً باستخدام صلاحيات أخرى للحفاظ على سياساته التجارية الحمائية، وفقا لتقرير نشرته وكالة "بلومبرغ"، واطلعت عليه "العربية Business".

5 خيارات أمام ترامب بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الجمركية

لكن هذه البدائل تأتي مع قيود قانونية وإجراءات معقدة، ولن تمنحه الحرية نفسها لفرض رسوم عقابية سريعة على الدول الأوروبية المعارضة لخططه بشأن غرينلاند، أو على الدول التي تشتري النفط الإيراني، كما كان يفعل سابقاً.

وقال مايك فرومان، الممثل التجاري الأميركي الأسبق والرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية، إن التعريفة الجديدة محددة بـ150 يوماً فقط، مضيفاً أن ترامب سيضطر لاحقاً إلى اتخاذ قرار بشأن فرض رسوم جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي، في وقت يرى فيه الناخبون أن الرسوم تسهم في أزمة غلاء المعيشة.

ورغم الحكم، تتوقع الإدارة الأميركية بقاء معظم الاتفاقات التجارية التي أبرمها ترامب مع دول أخرى، ومنها اتفاق وُقّع هذا الأسبوع مع إندونيسيا. ويرى خبراء أن بعض الاقتصادات، مثل الاتحاد الأوروبي واليابان، قد تستفيد من الوضع الجديد بعد تفاوضها على اتفاقات برسوم تبلغ 15%، ما قد يحدّ من اعتراضها.

مع ذلك، فإن الحكم جرّد ترامب من أحد أهم أدوات النفوذ التي يعتمد عليها في التفاوض مع قادة العالم والرؤساء التنفيذيين، بمن فيهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي من المقرر أن يلتقيه خلال أسابيع.

ويرى خبراء أن القرار سيقيّد قدرة ترامب على استخدام الرسوم الجمركية بسرعة لأهداف جيوسياسية، ما قد يؤدي إلى تحول جذري في نهجه التجاري أو في كيفية استجابة العالم له.

مرحلة جديدة من الغموض الاقتصادي

الاستراتيجية الجديدة قد تفتح فصلاً جديداً من عدم اليقين للاقتصادين الأميركي والعالمي، مع تداعيات محتملة على الشركات والمستهلكين والبنوك المركزية والاتفاقات التجارية القائمة، فضلاً عن المفاوضات الكبرى المرتقبة مع الصين.

وتصف الباحثة السياسية باربرا بيري هذه القضية بأنها جزء أساسي من رؤية "أميركا أولاً"، مؤكدة أن الرسوم الجمركية تمثل ركناً مهماً ليس فقط في السياسة الاقتصادية، بل أيضاً في الخطاب الشعبوي الأميركي.

ويضع الحكم المحكمة العليا ضمن سلسلة قرارات تاريخية قيّدت سلطات الرؤساء في السياسات الاقتصادية، على غرار منع الرئيس ترومان من تأميم صناعة الصلب خلال الحرب الكورية، والصدامات بين المحكمة والرئيس روزفلت بشأن "الصفقة الجديدة".

فرصة سياسية.. ومأزق اقتصادي

من زاوية أخرى، قد يمنح الحكم ترامب مخرجاً سياسياً للتخفيف من بعض الرسوم غير الشعبية، خاصة مع تباطؤ الاقتصاد في الربع الرابع رغم طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ومع بيانات تظهر أن الرسوم لم تقلص العجز التجاري بشكل ملموس.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين يعتقدون أن الرسوم ترفع تكاليف المعيشة، ما دفع الإدارة إلى إعادة ضبط سياساتها لتقليل تأثيرها على أسعار السلع الأساسية مثل القهوة، والنظر في تعديلات إضافية.

حتى داخل الحزب الجمهوري، بدأت الانقسامات تظهر قبل الحكم، إذ صوّت مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون في 11 فبراير لإنهاء الرسوم على الواردات الكندية.

الشركات والأسواق.. الاستقرار أهم من الرسوم

بالنسبة للشركات والأسواق المالية التي عانت تقلبات التجارة في 2025، يمثل الحكم عودة لحالة عدم اليقين التي دفعت العديد من الشركات إلى تأجيل الاستثمار والتوظيف.

وقال أوستن راميريز، الرئيس التنفيذي لشركة Husco International، إن شركته دفعت عشرات الملايين من الدولارات كرسوم العام الماضي، لكنه يرى أن عدم اليقين أسوأ من الرسوم نفسها، مؤكداً أن الاستقرار هو العامل الأهم لاتخاذ قرارات الاستثمار.

كما دعت مجموعات الأعمال حول العالم إلى وضوح أكبر في السياسات التجارية، محذرة من أن الشركات تحتاج إلى بيئة تجارية مستقرة يمكن التنبؤ بها.

إعادة ضبط استراتيجية الرسوم

بعد الحكم، أعلن ترامب أنه سيفرض رسوماً مؤقتة لمدة 150 يوماً بموجب قانون التجارة لعام 1974، مع إطلاق تحقيقات إضافية بموجب مواد قانونية أخرى تتيح فرض رسوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو الممارسات التجارية غير العادلة.

ومن المرجح أن يؤدي هذا النهج الأكثر منهجية إلى تقليل المفاجآت التي شهدها العام الماضي، لكنه سيبقي حالة عدم اليقين قائمة بشأن توقيت ونطاق الرسوم الجديدة.

كما قد يعقّد التحول الجديد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في تقييم التضخم والنمو والتوظيف، خاصة في ظل الضغوط السياسية لخفض أسعار الفائدة.

تداعيات مالية ضخمة محتملة

قد يؤدي الحكم أيضاً إلى رد مليارات الدولارات للمستوردين الذين دفعوا الرسوم سابقاً، مع تقديرات تشير إلى إمكانية وصول المبالغ إلى 170 مليار دولار إذا تم ردها بالكامل، وهو ما قد يخلق تحديات قانونية وإدارية كبيرة.

وفي الأمد القصير، قد تضخ هذه الأموال سيولة في الاقتصاد، لكن عملية الرد نفسها قد تكون معقدة وطويلة.

الرسوم باقية.. لكن بشروط جديدة

رغم القيود، يؤكد ترامب أن الرسوم الجمركية ستظل أداة مركزية في سياسته الاقتصادية والتجارية، سواء لزيادة الإيرادات أو إعادة التصنيع أو التفاوض على الصفقات التجارية.

لكن الطريق نحو إعادة بناء جدار الحماية الجمركي أصبح أكثر تعقيداً، ما يترك الشركاء التجاريين والشركات والمستهلكين في حالة ترقب لما ستؤول إليه المرحلة المقبلة.

ويختصر أحد التنفيذيين المشهد بقوله: الأعمال تحتاج إلى اليقين، وعندما يسود الغموض، يتوقف الجميع عن اتخاذ القرار.

حماية من تفاقم التضخم

وقال الخبير السعودي في التجارة الدولية الدكتور فواز العلمي، إن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة دونالد ترامب أسهم في تجنب تفاقم التضخم في الولايات المتحدة، كما انعكس إيجاباً على أسواق الأسهم، مشيراً إلى أن القرار قيّد قدرة الإدارة الأميركية على الاستمرار في النهج نفسه دون موافقة تشريعية.

وأوضح العلمي، في مقابلة مع "العربية Business"، أن ترامب كان يسعى منذ العام الماضي إلى فرض رسوم جمركية واسعة لخفض العجز التجاري الأميركي الذي بلغ نحو 1.2 تريليون دولار سنوياً، إلا أن المحكمة رأت أن استخدام قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لا يمنحه صلاحية فرض الرسوم دون موافقة الكونغرس الأميركي.

وأضاف أن إلغاء الرسوم ساعد في الحد من ارتفاع تكاليف الإنتاج الأميركي المعتمد على الواردات، وبالتالي تجنب زيادة أسعار الصادرات، لكنه أشار إلى أن متوسط الرسوم الجمركية الأميركية سيظل مرتفعاً مقارنة بمستواه في عام 2024 البالغ 2.5%، بسبب استمرار رسوم مفروضة على واردات مثل السيارات والصلب والألمنيوم.

وبيّن العلمي أن توجه ترامب نحو الرسوم الجمركية اتخذ طابعاً حمائياً أوسع، ولم يعد مقتصراً على الدول التي تسجل فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن الإيرادات الجمركية بلغت نحو 157 مليار دولار، إلا أن شركات متضررة لجأت إلى آليات تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية للمطالبة باسترداد هذه الأموال.

وأشار إلى أن الإدارة الأميركية استخدمت أدوات بديلة أقل تأثيراً مثل مواد قانونية مرتبطة بعجز ميزان المدفوعات، لكنها تفرض قيوداً زمنية وسقوفاً على الرسوم لا تتجاوز 10% وقد ترتفع إلى 15%.

وفي ما يتعلق بتأثير السياسات الجمركية على المالية العامة، أوضح العلمي أن خفض الضرائب على الشركات مقابل زيادة الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى استمرار العجز المالي، إضافة إلى تصاعد التوترات التجارية مع شركاء اقتصاديين كبار، لكنه أشار إلى أن المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 تتيح فرض رسوم على دول تُتهم بممارسات تجارية غير عادلة.

وأكد أن القرار القضائي سيعزز مسار المفاوضات التجارية، إذ باتت الإدارة الأميركية بحاجة أكبر إلى التفاوض مع الشركاء التجاريين قبل فرض أي رسوم جديدة، وفي حال عدم التوصل إلى نتائج، سيتعين على الرئيس الأميركي العودة إلى الكونغرس للحصول على موافقة دستورية لرفع الرسوم الجمركية.

قال رئيس مجلس إدارة شركة "أسيت"، أحمد سمير، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجأ إلى تقليل حدة قرار المحكمة العليا بإلغاء الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية العالمية، وذلك من خلال فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 15%.

أضاف سمير، في مقابلة مع "العربية Business"، أن قرار ترامب يهدف إلى جمع أكبر قدر من الأموال من خلال الرسوم الجمركية، وذلك تحسباً لصدور قرار برد قيمة الرسوم التي تم جمعها خلال الفترات الماضية.

وأوضح أن الرسوم الجمركية الأميركية تمثل عبئاً اقتصادياً وسياسياً وشعبياً، ورغم عدم تأثر حركة التجارة بشكل حاد أو حدوث ركود بسبب الرسوم، ولكن التأثير السياسي لم يكن مبرراً خاصة الخلاف مع حلفاء تاريخيين للولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي وكندا.

وأشار إلى أن ترامب لن يعترف بخطأ فرض الرسوم الجمركية وسيستمر في تطبيق سياسته التجارية من خلال وسائل متعددة.

وقال سمير إن المستفيد الأكبر من إلغاء الرسوم الجمركية هو من يقوم بالتصدير إلى الولايات المتحدة بشكل أكبر وبالتالي فإن الصين ستحقق أكبر استفادة يليها الاتحاد الأوروبي وكندا.

وأضاف أن الشركات الأميركية ستستفيد من إلغاء الرسوم خاصة الشركات التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ومن المتوقع أن تتراجع أسعار البيع لدى هذه الشركات، كما يمكن أن تستفيد الشركات في حالة رد قيمة الرسوم التي تم دفعها، وفي هذه الحالة يجب توفير تخفيضات للمستهلكين الذين تحملوا قيمة الرسوم بالفعل طوال العام الماضي.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط