باب الخروج.. هل تستطيع مصر التخلص من "صداع" الأموال الساخنة؟

الجنيه يكسر سلسلة مكاسبه التاريخية ويتحسس مكامن الخطر

المصدر: القاهرة - محمود القصاص
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

هزة في سعر صرف الجنيه المصري تغير السردية سريعاً من توقعات بقوة العملة المحلية ومراقبة مستوى 45 جنيه للدولار، إلى تحسس مكامن الخطر القادم والطلب المتزاحم على الدولار في سيناريوهات الحرب.

خلال الأيام القليلة الماضية، ذهبت أصابع الاتهام سريعاً إلى "تجارة الفائدة" أو ما تعرف بشكل دارج بـ"الأموال الساخنة". وهي استثمارات أجنبية في أدوات الدين المصرية قصيرة الأجل، تتم عبر الاقتراض من أسواق عملات منخفضة العائد وضخها في أسواق الفائدة الأعلى للاستفادة من فارق العائد.

الاتهامات جاءت بعدما كسر الجنيه المصري سلسلة مكاسب دفعته لتحقيق أفضل مستوياته منذ مارس 2024 على مستوى الأرقام الرسمية للعملة، إذ انخفض الجنيه 2% في يومين ليهبط لمستوى قرب 48 جنيه للدولار.

على الجانب الأخر، تبدو الديون المصرية مغرية، حيث يترواح سعر العائد على أذون الخزانة المصرية بين 22.78% أجل عام، و23.87% أجل 6 أشهر حالياً، وهو ما يمنح عائداً صافياً بعد خصم الضريبة يتجاوز 18.2%.

قدّر خبراء حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية بنحو 45 مليار دولار وفي تقديرات أخرى يرتفع الرقم إلى 50 مليار دولار، ولا توجد بيانات رسمية متاحة.

ومع وضع حجم تلك الأموال جانباً، فتبدو الأرقام في حدها الأقصى يمكن السيطرة عليها مع تحقيق الاقتصاد المصري لأرقام قياسية في موارده الدولارية خلال عام 2025، سواء عبر الصادرات والتي تلامس أرقامها مستوى 50 مليار دولار، أو تحويلات المصريين في الخارج والتي سجلت أكثر من 41 مليار دولار، فضلاً عن أرقام السياحة، والاستثمار الأجنبي المباشر، وهذه الأرقام مرشحة للتحسن أكثر على الأقل خلال الـ12 شهراً المقبلة، والتي سيضاف إليها عودة إيرادات قناة السويس إلى قوتها الكاملة.

إذاً، فمن أين تأتي المشكلة؟

قبل الانتقال للمشكلة، علينا فهم آلية تحقيق الأرباح للمستثمرين في أدوات الدين المصرية. تخيل أن مستثمراً لديه مليون دولار في محفظته قرر الاستثمار في الديون المصرية، ولمضاعفة العائد قرر أن يقترض 9 ملايين دولار من اليابان بفائدة تقترب من 4% واستثمار أمواله بالإضافة إلى المبلغ المقترض في أذون الخزانة المصرية مستفيداً بمعدل فائدة يصل إلى 24% على استثماره، فسيكون العائد من الفائدة 2.4 مليون دولار، ومن ثم سيسدد الفائدة على المبلغ المقترض والبالغة 360 ألف دولار فيصبح العائد الصافي نحو مليوني دولار بعد العمولات على أصل أمواله البالغة مليون دولار فقط أي 200% تقريباً.

لكن في سيناريو محسّن، فإن ارتفاع سعر صرف الجنيه مقابل الدولار يمنح هذا المستثمر مكاسب جانبية. وللتوضيح، إذا حوّل المستثمر مبلغ الـ10 ملايين دولار (1 مليون أصل أمواله+9 ملايين مقترضة) بالجنيه المصري بسعر 50 جنيه للدولار، فإنه سيستثمر 500 مليون جنيه ولو ظلت دون استثمار لمدة عام وقرر بعد 12 شهر استرداد أمواله بالدولار، ولكن بسعر صرف 48 جنيه للدولار، فإنه سيحصل على 10.42 مليون دولار – أي مكسب 420 ألف دولار من سعر الصرف فقط.

هذا ليس كل شيء!... فخلال أقل من 12 شهراً، خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بأكثر من 825 نقطة أساس، هذه التخفيضات المتسارعة تمنح المستثمر "مكسب رأسمالي"، إذ يصبح السند القديم ذو العائد الأعلى، أغلى من نظيره الجديد ذو العائد المنخفض، وبالتالي يمكنه تحقيق مكسب أخر.

والمحصلة أن كل ما سبق حدث بالفعل وبشكل متزامن، فأسعار الفائدة اتخذت مساراً هابطاً عالمياً ما حفز الاستثمار في الأصول الخطرة وديون الأسواق الناشئة، بالإضافة إلى مكاسب أكبر للجنيه المصري مقابل الدولار، وخفض أسرع للفائدة في مصر مع ارتياح كبير في الضغوط التضخمية.

وكما في الكيمياء، فإن عنصراً حفّازاً في ظروف مثالية قد يمثل شرارة الانطلاقة لعمليات جني أرباح... المكاسب بالفعل قياسية وحتى لو أن هناك المزيد منها فإن حسابات "العائد والمخاطرة" باتت تميل أكثر إلى إشارات الخروج وسط تصريحات متجددة من واشنطن بعملية عسكرية جديدة على إيران.

ما الحل إذاً؟

صندوق النقد الدولي أشار بوضوح إلى مكاسب مهمة في الاستقرار المالي وتحسن ميزان المدفوعات ونمو قوي، مع توصيات بتسريع إصلاحات دور الدولة والحوكمة، وهي مفاتيح تقليل الاعتماد على الأموال الساخنة بمرور الوقت.

التزام مصر بسياسة سعر الصرف المرن، كما أشارت تقارير "ستاندرد تشارترد"، أدى إلى بيئة أكثر استقراراً، وساهم في إعادة بناء الأصول الأجنبية الصافية وتحسين ثقة المستثمرين للمدى الطويل، وليس فقط الأموال الساخنة.

فهل يمكن التخلص الكامل من صداع الأموال الساخنة؟

من الناحية الاقتصادية، التخلص الكامل غير واقعي لعدة أسباب:

فجميع الأسواق الناشئة تستقبل هذا النوع من التدفقات بشكل طبيعي – المسألة ليست في وجودها بل في حجم تأثيرها.

كما ستظل أدوات الدين المحلية جزءاً من منظومة التمويل الحكومي، خاصة مع احتياجات الدين الكبيرة. وطالما الفائدة في مصر أعلى من نظيراتها في الأسواق الناشئة، ستظل الأموال الساخنة جزءاً من المشهد.

ولكن تخفيف الاعتماد عليها ممكن وبدأ بالفعل، من خلال:

1. تعزيز مصادر دولارية مستقرة

السياحة – قناة السويس – التحويلات – الصادرات الصناعية.

2. جذب استثمارات أجنبية مباشرة (FDI) طويلة الأجل

مثل استثمارات الخليج والصناديق السيادية التي تقلص فجوة التمويل الخارجي المتكررة، بالإضافة إلى الاستثمارات الصناعية في السيارات والهواتف والملابس من الصين وتركيا وغيرها من الدول.

3. مرونة أكبر في سعر الصرف

ما يقلل من الاحتياج لامتصاص الصدمات عبر الفائدة المرتفعة التي تجذب الأموال الساخنة.

4. استمرار الخصخصة وتقليص دور الدولة في الاقتصاد كما يوصي صندوق النقد والمؤسسات المالية الدولية.

لكن إلى أن تنجح مصر في خفض عجز الحساب الجاري، وتوسيع قاعدة الصادرات، وتقليل الدين المحلي قصير الأجل، ستظل الأموال الساخنة جزءاً من المعادلة، مع تأثير أقل وأقل كلما تقدمت الإصلاحات.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط