علي خامنئي الذي أكدت إيران مقتله الأحد ركن من أركان الثورة التي أفضت إلى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد تعامل خلال سنوات حكمه المطلق مع أزمات عديدة بكثير من الصلابة إلى درجة يكاد غيابه لا يصدّق.
وأعلن مذيع في التلفزيون الإيراني الرسمي الأحد خبر مقتل خامنئي الذي بقي في السلطة 36 عاماً، من دون أن يوضح ملابسات مقتله أو ذكر الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت مقر إقامته في طهران السبت. وعُرضت صور ولقطات أرشيفية مع وضع شريط أسود على الشاشة حدادا.
وقد توعد الحرس الثوري الإيراني الأحد بإنزال "عقاب شديد" على "قتلة" المرشد الإيراني.
وقال الرئيس الأميركي في وقت سابق السبت إن المرشد قُتل. وكتب ترامب على شبكته الاجتماعية تروث سوشيال "خامنئي، أحد أكثر الأشخاص شرا في التاريخ، قُتل".
وكان ترامب أعلن صباحا بدء هجوم كبير على إيران هدفه تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وإطاحة الحكم.
كما أعلنت إسرائيل بدء الهجوم على إيران. ووصف رئيس وزرائها خامنئي بـ"الطاغية" الذي نشر "على مدى أكثر من ثلاثة عقود، (...) الإرهاب في أنحاء العالم بينما قمع شعبه، وعمل بلا كلل ولا توقف على خطة لتدمير إسرائيل".
وتولّى خامنئي (86 عاما) الحكم في إيران منذ ثلاثة عقود ونصف عقد بعد اختياره مرشدا أعلى للجمهورية الإسلامية في عام 1989 عقب وفاة مؤسسها الخميني.
وتمكن من تجاوز أزمات شملت تظاهرات الطلاب عام 1999، والاحتجاجات الجماهيرية عام 2009 التي اندلعت إثر انتخابات رئاسية رفضت المعارضة نتائجها، وتظاهرات عام 2019 التي قُمعت بسرعة وعنف، وحركة "مرأة، حياة، حرية" عامي 2022-2023 على خلفية وفاة مهسا أميني أثناء توقيفها بتهمة انتهاك قواعد اللباس الصارمة.
واضطر خامنئي إلى التواري خلال حرب الاثني عشر يوما مع إسرائيل في يونيو والتي كشفت عن اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق لإيران، وأدت إلى مقتل مسؤولين أمنيين رئيسيين في غارات جوية.
لكنه نجا من الحرب. مع اندلاع احتجاجات بدأت على خلفية اقتصادية وتطورت إلى مطالبة بسقوط الحكم الديني في أواخر كانون ديسمبر، وصف خامنئي المتظاهرين بأنهم "حفنة من المخربين" المدعومين من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقالت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير هذا العام "في عهد خامنئي، واجه النظام تحديات شعبية متكررة، وسحقها مرارا بقبضة من حديد، وواصل الحكم بالسوء نفسه". وتابعت "لقد أكسبته هذه المقاربة بعض الوقت، لكن النجاح الذي تم قياسه فقط من خلال الحفاظ على السلطة قسرا لم يمنح قادة البلاد حافزا يُذكر لمعالجة المظالم الكامنة وراء السخط الشعبي".
وكان خامنئي يعيش تحت حراسة مشددة. ونادرا ما تُعلن إطلالاته العلنية مسبقا.
- منحاز للمتشددين
وصف خامنئي في البداية بأنه ضعيف ومتردد وبدا خيارا مستبعدا لمنصب الزعيم الأعلى بعد وفاة الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إلا أن صعود خامنئي إلى قمة هرم السلطة في البلاد منحه سيطرة محكمة على كل شؤون الدولة.
انتقد خامنئي واشنطن طوال فترة حكمه، واستمر في توجيه الانتقادات اللاذعة بعد بداية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب
الثانية في 2025.
منذ توليه منصب المرشد الأعلى، لم يجر خامنئي زيارات خارج إيران، وهو عُرف درج عليه الخميني بعد عودته المظفرة إلى طهران من فرنسا عام 1979 عندما هزّت الثورة الإسلامية إيران.
كانت آخر رحلة خارجية معروفة له زيارة رسمية إلى كوريا الشمالية عام 1989 بصفته رئيسا التقى خلالها في بيونغ يانغ نظيره كيم إيل سونغ.
تعرّض لمحاولة اغتيال عام 1981 أدّت إلى إصابة في يده وشلّها، وقد حمّلت السلطات مسؤوليتها إلى منظمة مجاهدي خلق التي انقلبت من حليف في الثورة إلى جماعة محظورة في إيران.
بعد اعتقاله مرارا في عهد الشاه بسبب نشاطه الدعوي، أصبح خامنئي بعيد نجاح الثورة الإسلامية إمام صلاة الجمعة في طهران، كما خدم في الخطوط الأمامية خلال الحرب الإيرانية العراقية.
انتُخب رئيسا عام 1981 في أعقاب اغتيال سلفه محمد علي رجائي في هجوم آخر نُسب أيضا إلى منظمة مجاهدي خلق.
خلال الثمانينات، كان يُنظر إلى حسين منتظري على أنه الخليفة الأرجح للخميني، لكن قائد الثورة غيّر رأيه قبيل وفاته بعد أن اعترض منتظري على عمليات الإعدام الجماعية لأعضاء منظمة مجاهدي خلق وغيرهم من المعارضين.
عندما توفي الخميني، اجتمع مجلس خبراء القيادة برئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني، واختار أعضاؤه خامنئي مرشدا أعلى.
رفض خامنئي في البداية الترشيح قطعيا قائلا "لست مؤهلا"، لكن أعضاء المجلس وقفوا صفا واحدا لإتمام ترشيحه.
وخلف رفسنجاني الذي توفي عام 2017، خامنئي في منصب الرئيس، رغم أنه كان يُنظر إليه في سنواته الأخيرة كغريم سياسي. وقد عمل خامنئي حتى الآن مع ستة رؤساء، وهو منصب أقل نفوذا بكثير من منصب المرشد الأعلى، من بينهم شخصيات أكثر اعتدالا مثل محمد خاتمي الذي قام بمحاولة إصلاح حذرة وتقارب مع الغرب.
لكن خامنئي لطالما انحاز إلى جانب المتشددين، وصان العناصر الأساسية في أيديولوجية النظام، وهي المواجهة مع "الشيطان الأكبر"، الولايات المتحدة ورفض الاعتراف بإسرائيل.
يُعتقد أن لديه ستة أبناء، لكن من يحظى منهم بحضور بارز هو مجتبى الذي أدرجته الولايات المتحدة على لائحة العقوبات عام 2019 ويُعتقد أنه من أكثر الشخصيات نفوذا في إيران.
وقال كريم سجادبور من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي لرويترز إن "صدفة تاريخية" حولت "رئيسا ضعيفا إلى زعيم أعلى ضعيف في البداية ثم إلى أحد أقوى خمسة إيرانيين خلال المئة عام الماضية".
أثمرت علاقاته مع الحرس الثوري القوي في 2009. ففي ذلك العام، قمع الحرس الثوري احتجاجات نشبت بعد إعلان إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا وسط اتهامات من المعارضة بتزوير الانتخابات.
وأشرف خامنئي على إمبراطورية مالية ضخمة شبه حكومية معروفة باسم (ستاد)، والتي أسسها الخميني لكنها نمت نموا هائلا في عهد خامنئي لتصل قيمة أصولها إلى عشرات المليارات من الدولارات.
وسع خامنئي أيضا النفوذ الإيراني في المنطقة، من خلال دعم جماعات مسلحة شيعية في العراق ولبنان وساند بشار الأسد، الرئيس السوري آنذاك، بنشر آلاف الجنود في سوريا.
وأنفق الزعيم الأعلى الإيراني على مدى أربعة عقود مليارات الدولارات على تلك الجماعات الحليفة التي سميت "محور المقاومة"، وضمت أيضا جماعة الحوثي في اليمن، لمناهضة نفوذ إسرائيل والولايات المتحدة في الشرق الأوسط.