تتسع دائرة الاضطراب في الأسواق العالمية مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، إذ دفعت الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران وتهديدات إغلاق مضيق هرمز المستثمرين إلى موجة بيع واسعة للأسهم، بينما واصلت أسعار النفط ارتفاعها الحاد، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف التضخم وتباطؤ النمو العالمي.
أوروبا تحت الضغط.. والطاقة الرابح الوحيد
في أوروبا، واصلت الأسهم تراجعها لليوم الثاني، إذ انخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 1.3% إلى 615.72 نقطة، مسجلاً أدنى مستوى له في أكثر من أسبوعين. وتصدرت أسهم المرافق والبنوك الخسائر بتراجع بلغ 2.6% لكل منهما، في حين سجل قطاع الطاقة ارتفاعاً طفيفاً مستفيداً من قفزة أسعار النفط.
ويأتي هذا التراجع في ظل مخاوف متزايدة من امتداد الحرب لفترة طويلة، خاصة بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب سعى فيها إلى تبرير توسيع نطاق العمليات العسكرية ضد إيران.
وفي تطور يزيد من حدة القلق، قال مسؤول في الحرس الثوري الإيراني إن مضيق هرمز مغلق، محذراً من أن أي سفينة تحاول العبور ستكون هدفاً، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف شحن النفط والغاز عالمياً.
وحذر كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، من أن حرباً طويلة قد تضغط بقوة على معدلات التضخم وتؤثر سلباً على النمو في منطقة اليورو.
العقود الآجلة الأميركية توسع خسائرها.. ناسداك يهبط بنحو 2.5%
وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 صباح الثلاثاء، وسط ترقب المتداولين لتصاعد التوترات الجيوسياسية في خضم الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
انخفضت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.8%، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنسبة 2.3%. وخسرت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر داو جونز الصناعي 821 نقطة، أي ما يقارب 1.7%.
وأغلق مؤشرا ستاندرد آند بورز 500 وناسداك المركب الجلسة السابقة على ارتفاع، مسجلين بذلك انعكاساً حاداً من أدنى مستوياتهما في وقت سابق من الجلسة. وأغلق مؤشر السوق الأوسع نطاقاً فوق مستوى التعادل بقليل، بينما ارتفع مؤشر ناسداك، الذي يضم شركات التكنولوجيا بشكل رئيسي، بنسبة تقارب 0.4%. وخسر مؤشر داو جونز، الذي يضم 30 سهماً، 73 نقطة، أي 0.15%، وهو ما يمثل انتعاشاً كبيراً عن أدنى مستوياته خلال اليوم عندما انخفض المؤشر بنحو 600 نقطة، وفق CNBC.
استغل المستثمرون انخفاض أسعار الأسهم، التي كانت قد انخفضت في بداية أسبوع التداول الجديد وسط مخاوف من أن يؤثر تصاعد الصراع بين القوات الأميركية والإيرانية على الأسواق. وشهدت أسهم العديد من شركات الدفاع والطاقة ارتفاعاً ملحوظاً يوم الاثنين.
طوكيو تتكبد أكبر خسائر منذ أشهر
وفي آسيا، تكبدت الأسهم اليابانية خسائر حادة، إذ هبط مؤشر توبكس 3.2% مسجلاً أسرع انخفاض منذ أبريل، فيما تراجع مؤشر نيكاي 3.1% في أكبر هبوط يومي منذ نوفمبر الماضي.
وقالت ماكي ساوادا، محللة الأسهم في نومورا للأوراق المالية، إن استمرار صعود العقود الآجلة للنفط، إلى جانب قوة الدولار وضعف الين، يعزز توقعات تسارع التضخم، ما يضيف مزيداً من الضبابية إلى السياسة النقدية ويضغط على البورصة.
وشهدت جميع القطاعات الصناعية في بورصة طوكيو تراجعاً، بقيادة قطاع النفط والفحم الذي هبط 5.5%، يليه قطاع معدات النقل بانخفاض 5.4%. كما تراجع سهم تويوتا 6.1%، وهبط سهم شركة “إيه.إن.إيه هولدينجز” 3.3%، بينما خسر سهم “إينيوس هولدنجز” 6.3%.
وامتدت الخسائر إلى كوريا الجنوبية، حيث انخفضت الأسهم 4.8% مع إعادة فتح الأسواق عقب عطلة رسمية.
النفط يقفز مع مخاوف الإمدادات
في المقابل، واصلت أسعار النفط مكاسبها لليوم الثالث على التوالي. وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 5% إلى 82 دولاراً للبرميل، بعد أن لامس أعلى مستوياته منذ يناير 2025 خلال الجلسة السابقة. كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.3% إلى 75.02 دولار للبرميل.
ويعكس هذا الصعود مخاوف الأسواق من انقطاع إمدادات الشرق الأوسط، خاصة مع تصاعد استهداف الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية.
الأسواق بين التضخم والركود
المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان صدمات الطاقة السابقة، حيث يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ما يغذي التضخم ويضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين. ومع تزايد احتمالات استمرار الحرب، تواجه الأسواق معادلة صعبة بين كبح التضخم ودعم النمو.
وبينما تستفيد أسهم الطاقة من القفزة السعرية، تبدو بقية القطاعات تحت ضغط شديد، في وقت يترقب فيه المستثمرون ما إذا كانت الحرب ستتطور إلى صراع إقليمي طويل يغير خريطة الاقتصاد العالمي.
وقال رئيس قسم الأسواق العالمية في سيدرا ماركتس - Cedra Markets ، جو يرق، إن تغيّرات كبيرة جداً حدثت خلال الأيام الماضي منذ نهاية الأسبوع الماضي والتطورات الجيوسياسية غيّرت المعادلات حيث تشهد الأسواق حالة خوف وترقّب، مع لجوء المستثمرين إلى الدولار الأميركي كملاذ آمن، بينما تتعرض معظم الأدوات المالية ذات المخاطر العالية لضغوط.
أضاف في مقابلة مع "العربية Business" أن الأسواق الأميركية والأوروبية تشهد نزيفاً إضافة إلى خسائر في المشتقات المالية عالية المخاطر، وكل ذلك مرتبط بمدى طول الأزمة. وإذا امتدت الحرب لفترة أطول، فستكون لها آثار سلبية على الاقتصادات العالمية، مع تقلبات حادة على الأصول، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار النفط وتأثيره على التضخم والنمو الاقتصادي. حتى لو انتهت الحرب سريعاً، فإن آثارها قد تستمر، كما أشار عدد من كبار المصرفيين مثل جيمي ديمون.
أفاد يرق أن الأفق جيد لشركات الطاقة في 2026، إضافة إلى شركات الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك المرتبطة بالقطاعات الدفاعية.
ورجح أن تعاني الأسواق الناشئة من خسائر مع احتمال رفع الفوائد ، موضحاً أن أي تصحيح بحدود 10% في الأسواق الأميركية قد يمثل فرصة إيجابية للشراء.
أوضح أن العامل المؤثر حاليا على النمو الاقتصادي والتضخم هو النفط ، موضحاً أن نحو 20% من النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز، وأي تراجع في الإمدادات بنسبة 1% قد يدفع الأسعار للارتفاع بأكثر من 4% ويمكن وصول أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل ، وإذا حدث ذلك فسيشكل ضغطاً كبيراً على البنوك المركزية والتضخم ويؤثر سلباً في النمو.
وقال إن تراجعات الذهب ناتجة عن قوة الدولار الأميركي وتوقعات تقليص عدد تخفيضات الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى مرتين مشيراً إلى أن أي ضعف الذهب حالياً يمثل فرصة شراء على المدى المتوسط والطويل.
ورجح أن يرتفع الدولار الأميركي إلى مستويات تاريخية إذا استمرت الحرب وارتفع التضخم، قد يمتنع الاحتياطي الفيدرالي عن خفض الفائدة، ما يمنح الدولار دعماً إضافياً.