أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية الدكتور محمود محيي الدين، أن الغموض المحيط بمدة الحرب وأهدافها الاستراتيجية يمثل العامل الأكثر إثارة لقلق الأسواق العالمية في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أن تأثيرات الأزمة لا تقتصر على إمدادات الطاقة، بل تمتد إلى قطاعات أوسع في اقتصادات المنطقة والعالم.
وقال محيي الدين، في مقابلة مع "العربية Business" إن سيناريوهات التأثير الاقتصادي تتحدد وفق مدة الحرب: "هل ستكون حرب أيام أم أسابيع أم قد تطول أكثر من ذلك؟"، لافتًا إلى أن الأهداف المعلنة تغيّرت من تقويض القدرات النووية لإيران إلى الحديث عن تغيير رأس النظام ثم النظام نفسه، وهي مسائل ترتبط بطبيعة الحال بإطار زمني غير واضح حتى الآن.
وأضاف أن الأسواق لا تزال تعوّل على قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إنهاء الحرب وإعلان تحقيق أهدافها، حتى لو تم وقفها عند المرحلة الحالية، إلا أن هذا السيناريو لا يزال يكتنفه الغموض.
أهمية الخليج تتجاوز النفط
وفي ما يتعلق بأهمية اقتصادات الخليج، أشار محيي الدين إلى اطلاعه على تقرير صادر عن مجموعة أكسفورد قبل يومين، قلل نسبيًا من وزن الاقتصاد الخليجي باعتباره لا يتجاوز 2% من الاقتصاد العالمي، إلا أنه شدد على أن التأثير الفعلي يتجاوز هذه النسبة بكثير.
وأوضح أن اقتصادات الخليج باتت تمثل مراكز إقليمية في مجالات متعددة، من بينها اللوجيستيات، وحركة السفر والخدمات، إضافة إلى سلع رئيسية مثل الألمنيوم، فضلًا عن تدفقات الذهب والفضة التي تراجعت بشكل ملحوظ مؤخرًا.
كما أشار إلى تأثر خدمات بعض شركات التكنولوجيا وقواعد البيانات نتيجة التطورات في المنطقة، ما يعكس تشابك التأثيرات وتجاوزها لقطاعي النفط والغاز.
مضيق هرمز.. الكلفة والتأمين هما الفيصل
وحول إعلان الرئيس الأميركي استعداد بلاده لتأمين تدفق ناقلات الطاقة والسلع الاستراتيجية عبر مضيق هرمز، قال محيي الدين إن الرأي الحاسم في هذا الشأن يعود إلى شركات التأمين ضد مخاطر النقل.
وأوضح أنه وفق ما اطلع عليه خلال الساعات ال48 الماضية، فإن مرافقة الناقلات بقطع بحرية عسكرية تُعد خطوة مكلفة وغير عملية، إذ ترفع التكاليف النهائية.
وأضاف أن أقساط التأمين لن تنخفض ما لم ينخفض التهديد العسكري الفعلي لسلامة الملاحة، مشيرًا إلى أن بوالص التأمين لا تزال عند مستويات مرتفعة رغم الحديث عن ترتيبات للحماية.
وبيّن أن تجاوب الأسواق كان مؤقتًا ومفهومًا على أساس توقع استمرار المرور عبر المضيق، إلا أن الإجراءات العملية لم تنعكس حتى الآن في تراجع ملموس لتكاليف التأمين.
الدولار ملاذ آمن.. ودعوة إلى التريث
وفي ما يتعلق بتحركات الأسواق المالية وتراجع جاذبية السندات الأميركية كملاذ آمن، أشار محيي الدين إلى عودة الدولار الأميركي ليتصدر كعملة ملاذ آمن، حتى مقارنة بعملات تقليدية مثل الفرنك السويسري، موضحًا أن ذلك يعكس غياب بدائل موثوقة، رغم أن الولايات المتحدة طرف في الحرب.
وأكد أن صندوق النقد الدولي نصح البنوك المركزية بالتريث وعدم التعجل في اتخاذ قرارات، نظرًا لتعدد السيناريوهات المحتملة.
وأوضح أن هناك ضغوطًا تضخمية قد تدفع نحو رفع أسعار الفائدة، في مقابل مخاطر ركودية تعيد الحديث عن سيناريو "الركود التضخمي"، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا التي تبدو أكثر تأثرًا.
كما أشار إلى أن أسعار الذهب شهدت تذبذبًا مرتفعًا، رغم بقائها أعلى بنحو 20% منذ بداية العام، موضحًا أن بعض التراجعات قد تعود إلى عمليات تسييل لتعويض خسائر في أصول أخرى، أو إلى أن الأسعار تجاوزت بالفعل مستويات التحوط التقليدية.
أكد محيي الدين أن البنوك المركزية الكبرى، في الولايات المتحدة وأوروبا، تواجه "علامات استفهام ضخمة" بشأن مسار سياساتها المقبلة، في ظل تداخل صدمة الحرب مع تداعيات حرب التجارة والتعريفات الجمركية، معتبرًا أن المشهد لا يزال ضبابيًا رغم مرور 5 أيام على اندلاع الحرب.