معركة مضيق هرمز تشتعل.. لماذا تستهدف واشنطن جزر إيران الاستراتيجية؟

معضلة الرهان بمضاعفة المخاطر وإطالة أمد الحرب وتزايد قدرات أميركا التفاوضية

المصدر: الرياض - العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

في قلب الحرب الدائرة، عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد بوصفه أخطر عنق زجاجة للطاقة عالمياً؛ فمن خلاله يمر نحو خمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة مماثلة تقريباً من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه سريع الانعكاس على الأسعار وسلاسل الإمداد من آسيا إلى أوروبا.

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الولايات المتحدة تدرس إرسال قوات خاصة للسيطرة على 3 جزر إيرانية هي؛ خارك وقشم وكيش. فما الذي يعنيه الاستيلاء على تلك الجزر؟

تتقدر جزيرة خارك لائحة الأهداف الحساسة. فهي "الرئة" التي يتنفس عبرها الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات؛ إذ تعالج وتحمل عبرها النسبة الأكبر من صادرات الخام الإيراني (تقارب 90%)، وهي قفزة نوعية في القدرة اللوجستية بفضل الأرصفة العميقة التي تستقبل ناقلات عملاقة لا تستطيع الرسو على الساحل الإيراني الضحل.

وقد تجنبت الضربات الأميركية الواسعة الأخيرة إصابة منشآت النفط فيها، مكتفية بتدمير عشرات الأهداف العسكرية، مع تحذير صريح من أن أي تعطيل إيراني للملاحة في هرمز سيعيد هذه المنشآت إلى بنك الأهداف. ورغم القصف، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية استمرار رسو ناقلات وتحميل شحنات في الأيام التالية. ويوم الخميس أظهرت صوراً للأقمار الصناعية استهداف سفن إيرانية في بند عباس.

على الطرف العسكري من المعادلة، تقف جزيرة قشم عند مدخل المضيق كمنصة للإطلاق والمراقبة؛ تستضيف مواقع صاروخية ومنظومات استطلاع تتكامل مع تكتيكات الزوارق السريعة والألغام البحرية والمسيرات، وهي أدوات "الحرب غير المتكافئة" التي طورتها طهران لإبقاء كلفة حماية الملاحة مرتفعة. ولهذا تعد قشم جزءاً من شبكة الردع الإيرانية التي تجعل التهديد بإغلاق هرمز قابلاً للتفعيل المتدرج

هل يسقط الاستيلاء على خارك اقتصاد إيران فوراً؟

التقديرات التي تصور الاستيلاء المحتمل على خارك كضربة قاضية تحتاج إلى قدر من المراجعة. فخبراء يلفتون إلى أن إيران تملك منافذ بديلة للتصدير، من بينها محطة جاسك شرقي المضيق والمتصلة بحقول الإنتاج عبر خط أنابيب يمتد بنحو 1000–1100 كيلومتر (غوره–جاسك)، صمم أصلاً لتجاوز سيناريو تعطل هرمز.

غير أن هذه البدائل أصغر كثيراً من خارك من حيث القدرة والجاهزية: الطاقة المبدئية المعلنة لخط غوره–جاسك بحدود 300 ألف برميل يومياً مع خطط توسعة إلى مليون برميل، بينما تتمتع خارك بقدرات تحميل وتخزين واستقبال لناقلات عملاقة تفوق ذلك بمرات. لذا فبدائل إيران تخفف الصدمة ولا تلغيها.

كلفة الاحتلال واحتمالات الأرض المحروقة

يتطلب الاستيلاء على خارك قوات برية وتمركزاً ثابتاً داخل مدى الصواريخ والمسيرات الإيرانية، ما يضع القوات الأميركية في بيئة تعرض دائم. وفي حال تقدمت واشنطن بهذا الخيار، قد تلجأ طهران إلى تدمير ذاتي لمنشآت التحميل والتخزين على الجزيرة لحرمان الخصم من مكاسبها، وهو سيناريو يراه مؤرخ النفط الإيراني وكبير المحللين في مجموعة "أوراسيا"، غريغوري برو، مرجحاً ما دام ثمن بقاء المنشآت بيد العدو أعلى من خسارتها.

وحتى إذا تحقق للولايات المتحدة "نصر رمزي" سريع، فإن الدعاية الداخلية قد تصب في مصلحة القيادة الإيرانية الجديدة عبر تحويل المعركة إلى قضية سيادة وطنية و"تحرير أرض محتلة"، بما يعزز اصطفافاً شعبياً خلف المرشد الجديد مجتبى خامنئي وسط جدل حول شرعيته.

لماذا تبقى قشم وخارك "مفاتيح" السيطرة على هرمز؟

المعادلة هنا مزدوجة: خارك هي القلب المالي الذي يغذي الخزانة عبر النفط، وقشم هي الدرع العسكري الذي يمنح طهران القدرة على رفع كلفة مرور السفن عند الحاجة. وإزاء حرب عطلت المرور في هرمز لفترات وأصابت ناقلات ومرافئ قريبة، تدرك العواصم أن تحييد هاتين الجزيرتين معناه إبطال السلاح الأهم في يد إيران بقدر كبير.

ولهذا طرحت في واشنطن، بحسب تقارير ل"أكسيوس" و"تايم" فكرة الاستيلاء على خارك ضمن حزمة خيارات، بالتوازي مع مساع لبناء ائتلاف بحري لفرض حرية الملاحة، وهي خطوات تكشف أن هدف الحرب يتجاوز “الردع” إلى إعادة هندسة أمن الطاقة في الخليج.

بين الواقعية والمخاطرة

التقارير الأميركية التي كشفت نقاشات داخل الإدارة حول "خيار خارك" تشير إلى أنه لم يحسم، وأن إطلاقه مرهون باستمرار تعطيل المرور في المضيق على الرغم من التصريحات بأنها "مسألة وقت". لكن حتى في حال الإقدام عليه، تتوقع قراءات مهنية مخاطر عالية على القوات الأميركية، واحتمال تصعيد إيراني خارج المسرح البحري عبر ضربات على بنى طاقة إقليمية أو عمليات سيبرانية، فضلاً عن قفزة كبيرة في أقساط التأمين وأسعار الشحن، وإن كان الاستحواذ على الجزيرة – لو تم بلا تدمير للبنية النفطية – سيوفر رافعة تفاوضية كبرى لواشنطن، وفقاً لما ذكرته شبكة "CNBC"، وهو ما أكده يوم الخميس وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت.

في المقابل، تذكر تطورات الأسابيع الأخيرة بحدود القوة: فقد قصفت خارك عسكرياً مع تحييد منشآتها النفطية، واستمرت بعض عمليات التحميل وفق صور الأقمار الاصطناعية، ما يعني أن تعطيل شريان النفط الإيراني بالكامل أصعب مما يبدو على الورق، وأن أي حسم سيستلزم قراراً بضرب البنية النفطية نفسها – وهو قرار سيحمل كلفة اقتصادية وسياسية عالمية ضخمة.

خارك تمسك برقبة الاقتصاد الإيراني، وقشم تمسك بقبضة المضيق، وأي تحول في وضعهما سيعيد توزيع المخاطر والتكاليف على أسواق النفط والتأمين والنقل البحري في آن. في المقابل، تراهن طهران على بدائل محدودة مثل جاسك، وعلى تكتيكات الإنهاك بالصواريخ والمسيرات.

وبالتأكيد سيقاس نجاح أي تحرك أميركي بقدرته على خفض كلفة عبور هرمز من دون تفجير صدمة نفطية عالمية، وهو توازن دقيق لم تحسم كلفته بعد.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط