بدأت المؤشرات الأولى لحدوث صدمة متزامنة في الاقتصاد العالمي بالظهور خلال مارس، بعد أن كشفت مسوح الأعمال عن كيفية تآكل الزخم الاقتصادي وارتفاع الضغوط التضخمية نتيجة تداعيات الحرب في إيران. فقد سجلت مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن "S&P Global" تراجعات ملحوظة في عدد من الاقتصادات الكبرى، في إشارة واضحة إلى أن تبعات الصراع امتدت إلى النشاط الاقتصادي وسلاسل التوريد وأسعار الطاقة.
أظهرت بيانات اليوم الثلاثاء أن المؤشر المركب في منطقة اليورو انخفض بأكثر مما توقعه الاقتصاديون، فيما سجل نظيره في أستراليا هبوطاً حاداً أدخله فجأة في منطقة الانكماش، وتراجع نشاط المصانع في الهند إلى أضعف مستوى منذ عام 2021. وفي الوقت نفسه، ارتفعت مؤشرات تضخم التكاليف بصورة لافتة، إذ بلغ تضخم تكاليف المدخلات في ألمانيا أعلى وتيرة له منذ أكثر من ثلاث سنوات، بينما شهد قطاع التصنيع في المملكة المتحدة أكبر زيادة في التكاليف منذ أزمة "الأربعاء الأسود" في 1992، وفقاً لما ذكرته "بلومبرغ"، واطلعت عليه "العربية Business".
تم جمع هذه البيانات خلال النصف الثاني من مارس، وهي فترة شهدت تصاعد القلق لدى الشركات العالمية حيال استمرار الحرب واتساع آثارها الاقتصادية، وخاصة على إمدادات الطاقة التي تشكل ركيزة لعمل العديد من الاقتصادات الكبرى. وأدى هذا القلق إلى حالة من الترقب الحذر لدى الشركات، حيث باتت أكثر استعداداً لتخزين السلع والمواد الأولية تحسباً لاضطرابات محتملة في الإمدادات.
ومع اتساع نطاق المخاطر، باتت البنوك المركزية في أوروبا متوجسة من انعكاسات الصراع على التضخم والنمو. فقد صرحت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أن الحرب التي اندلعت بعد الهجوم الأميركي على إيران تسببت في "زيادة مخاطر التضخم وتراجع توقعات النمو"، الأمر الذي دفع صناع السياسات في فرانكفورت ولندن إلى اعتماد نهج أكثر تشدداً، مع احتمال رفع الفائدة في منطقة اليورو الشهر المقبل. وتتجه اليابان أيضاً إلى خطوة جديدة محتملة في أبريل، بينما قامت أستراليا بالفعل برفع الفائدة لثاني مرة على التوالي.
أشار محلل "بلومبرغ إيكونوميكس"، جيمي روش، إلى أن التعافي الذي كان العالم يشهده قبل اندلاع الحرب يبدو الآن معرضاً للانحسار، نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتشديد الأوضاع المالية وتدهور ثقة الشركات.
وعلى مستوى الأداء الاقتصادي العام، أظهرت المؤشرات المركبة – التي تشمل قطاعات الصناعة والخدمات – تراجعاً في كل من أستراليا، اليابان، الهند، فرنسا، ألمانيا، منطقة اليورو، والمملكة المتحدة. ورغم تسجيل المصانع الأوروبية تحسناً مفاجئاً، إلا أن التحليل يشير إلى أن ذلك ربما نتج عن لجوء الشركات إلى تخزين السلع خشية اضطرابات في سلاسل التوريد، بينما كانت الخدمات على وشك التوقف. وقد أدى ذلك إلى تسجيل أضعف قراءة مركبة لمنطقة اليورو في 10 أشهر، بالتزامن مع ارتفاع واضح في مؤشرات الأسعار.
ويرى كريس ويليامسون من "S&P Global" أن المؤشرات تشير بوضوح إلى خطر دخول المنطقة في حالة من الركود التضخمي، حيث ترتفع الأسعار بفعل الحرب بينما يتباطأ النمو بوتيرة مقلقة.
وفي المملكة المتحدة، أظهر قطاع التصنيع صموداً نسبياً أمام الضغوط، لكنه لم يكن كافياً لتعويض ضعف الخدمات، لتنتهي النتيجة بانخفاض حاد في المؤشر المركب. أما الارتفاع الكبير في تكاليف المصانع، فكان الأكثر دراماتيكية منذ انهيار الجنيه البريطاني في أزمة 1992. ويؤكد ويليامسون أن بنك إنجلترا يواجه مرحلة معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين كبح التضخم وتجنب التسبب بركود أعمق.
وفي آسيا، لم تكن الأوضاع أفضل بكثير. فقد شهدت اليابان تباطؤاً مفاجئاً في التضخم، بينما أظهرت المؤشرات تراجعاً في الثقة إلى أدنى مستوى في نحو عام رغم متانة الاقتصاد عموماً. أما الهند، فسجلت أضعف نمو اقتصادي منذ 2022، بالتزامن مع وصول تضخم التكاليف إلى أعلى مستوى في أربع سنوات. وكانت أستراليا الأكثر تضرراً، مع هبوط مؤشر الإنتاج بأكثر من خمس نقاط إلى 47، مما يعكس انكماشاً واضحاً في نهاية الربع الأول، بالإضافة إلى ارتفاع تضخم التكاليف إلى أعلى مستوى منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وفي الولايات المتحدة، تتجه التوقعات إلى تسجيل قدر من المرونة إزاء الصدمات العالمية، مع احتمال استقرار النشاط الصناعي وارتفاع طفيف محتمل في قطاع الخدمات، وفق توقعات جمعتها "بلومبرغ" قبل صدور البيانات.
ورغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن بدء مفاوضات سلام في الشرق الأوسط، فإن القتال بين التحالف الأميركي–الإسرائيلي وإيران لا يزال مستمراً، ما يجعل تقييم الأثر الاقتصادي الكامل للحرب مهمة مؤجلة بالنسبة لصناع القرار حول العالم. ويرى خبراء الاقتصاد أن المسألة تتوقف على عاملين رئيسيين في المرحلة المقبلة: مدة إغلاق مضيق هرمز، وكيف ستستجيب البنوك المركزية لهذه الصدمة المعقدة.