خفضت "فيتش سوليوشنز" توقعاتها لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الحالي إلى 4.9% مقارنة بنحو 5.2% قبل ذلك بفعل تداعيات الحرب.
كما خفضت توقعاتها للعام المالي المقبل إلى 5.2% مقابل 5.4% في حين تتوقع الحكومة نموًا قدره 5.4% وفق الموازنة التي أقرتها الحكومة مؤخراً.
طلبات استباقية على الدولار.. هل بالغت في تسعيره مقابل الجنيه المصري؟
وفي حال استمرار الصراع لفترة أطول بنحو أربعة أسابيع إضافية، فقد تخفض المؤسسة توقعاتها لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.5% خلال 2025/2026.
ورغم هذا الخفض، تظل معدلات النمو المتوقعة أعلى من متوسطات الفترة من 2015-2025 البالغة 4.3%، مما يشير إلى استمرار تعافي الاقتصاد بوتيرة جيدة نسبياً.
وأرجعت خفض توقعاتها إلى تآكل القوة الشرائية للأفراد، وبالتالي تباطؤ نمو الاستهلاك، حيث تتوقع المؤسسة مستوى أعلى لمعدل التضخم خلال 2026 إلى 13% بدلاً من 11.7%، مع اتجاه نحو مزيد من الارتفاع، في ظل زيادات حكومية في أسعار الوقود والغاز المنزلي والنقل العام، إلى جانب احتمالات رفع أسعار الكهرباء وخدمات الاتصالات.
وقالت إن ارتفاع تكلفة الواردات بعد تراجع قيمة الجنيه وزيادة أسعار الشحن سيُترجم إلى مزيد من الضغوط التضخمية على المستهلكين، مما يقلل مساهمة الاستهلاك في النمو.
السياحة وإيرادات قناة السويس
ومن ناحية أخرى، يتوقع أن يؤثر تراجع نشاط السياحة وحركة الملاحة في قناة السويس سلباً على صافي الصادرات، مع تحول مساهمتها إلى سلبية خلال 2025/2026 قدرها 0.1% مقارنة مع مساهمة إيجابية 0.1% في العام المالي الأسبق.
فمن المتوقع أن يتباطأ نمو أعداد السائحين خلال النصف الثاني من العام المالي الحالي، بشكل حاد مقارنة بمعدل 19.4% المسجل في النصف الأول من العام المالي، نتيجة تزايد المخاوف الأمنية في المنطقة، خاصة لدى الأسواق الأوروبية التي تمثل أكثر من نصف عدد الزائرين.
كما تسهم اضطرابات الطيران وإغلاق بعض المجالات الجوية في دول الخليج في تقليص تدفقات السياحة وإيراداتها التي تمثل بين 10 و12% من جملة السياحة الوافدة للبلاد.
وفيما يتعلق بإيرادات قناة السويس، فمن المتوقع أن يستغرق تعافيها وقتاً أطول من التقديرات السابقة، مع استمرار تحويل مسارات الشحن نتيجة المخاطر الأمنية، مما يُبقي حركة العبور عند مستويات تتراوح بين 30% و35% من مستويات ما قبل الأزمة لفترة ممتدة.
كما خفضت المؤسسة توقعاتها لنمو الاستثمارات إلى 5.8% بدلاً من 6%، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج على الشركات، إلى جانب إعادة توجيه بعض الإنفاق الحكومي نحو الدعم الاجتماعي والواردات الأساسية بدلاً من الاستثمارات.
كما أخذت التقديرات في الاعتبار تباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة من دول الخليج، إلى جانب استمرار أسعار الفائدة عند مستويات ما بين 14 و15%، مما يحد من التوسع الاستثماري.
وفيما يتعلق بالمخاطر، ترى المؤسسة أن التوقعات تميل نحو الجانب السلبي، خاصة في حال استمرار الصراع لفترة أطول أو تصاعده بشكل أكبر.
وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الضغوط على الجنيه المصري، وارتفاع التضخم فوق التقديرات الحالية، بما ينعكس سلبًا على الاستهلاك والاستثمار.
كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الغاز، سواء من إسرائيل أو قطر، قد يؤدي إلى توقفات في الإنتاج الصناعي، خاصة في قطاعات الأسمدة والأسمنت والحديد والصلب، وهو ما يضغط على الصادرات والإنتاج المحلي.
الوضع الخارجي لمصر
وخفضت "فيتش سوليوشنز" توقعاتها لعجز الحساب الجاري في مصر خلال السنة المالية 2025/2026، ليتسع من 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.4%، على أن ينخفض إلى 2.5% من الناتج المحلي في العام المالي المقبل.
جاء تعديل التوقعات في ضوء زيادة واردات السلع مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ أعداد السائحين في النصف الثاني من العام المالي، إلى جانب تأخر تعافي إيرادات قناة السويس، وارتفاع تقديراتها لمتوسط سعر خام برنت إلى 72 دولاراً مقارنة مع 67 دولاراً في توقعاتها السابقة، بما يرفع فاتورة واردات الطاقة التي تمثل 20% من الواردات.
كما يتوقع أن تؤدي اضطرابات الإمدادات من الغاز الإسرائيلي والغاز المسال القطري إلى زيادة فاتورة الاستيراد بما يتراوح بين 2 و4 مليارات دولار، مع الاعتماد بشكل أكبر على الشراء الفوري، إلى جانب ارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء وزيادة أسعار الغذاء والمعادن.
وأشارت المؤسسة إلى أنه رغم ارتفاع أسعار النفط لكن توقعاتها للحساب الجاري أنه سيكون أقل من معدلاته خلال آخر عامين ماليين.
التجارة مع الخليج مستقرة
توقعت "فيتش سوليوشنز" ألا تتأثر التجارة الخارجية لمصر مع دول الخليج بالحرب في إيران في حال استمرار السيناريو الأساسي قصير الأجل.
وأشارت إلى أن الإمارات والسعودية سوقان تصديريان مهمان لمصر ويستحوذان على خمس الصادرات في 2025.
وذكرت أن القرب الجغرافي بين مصر والسعودية ساهم في تسهيل إعادة توجيه الشحنات عبر مسارات بديلة، مما أدى للحفاظ على تدفقات التجارة، إلى جانب تعويض ارتفاع أسعار بعض الصادرات المصرية مثل الأسمدة لأي آثار سلبية محتملة.
وضع أفضل وخيارات أقل ومخاطر أعلى
كما تواجه مصر تراجعًا في الحساب المالي نتيجة خروج استثمارات أجنبية بنحو 8 إلى 9 مليارات دولار من أدوات الدين المحلية منذ منتصف فبراير/شباط، مما يزيد الضغوط على صافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات.
ومن المتوقع أن تظهر هذه الضغوط أولاً في ودائع النقد الأجنبي لدى البنك المركزي غير المدرجة ضمن الاحتياطيات الرسمية، والتي تعد خط الدفاع الأول قبل اللجوء إلى تسييل الأصول الاحتياطية.
وتشير التقديرات إلى استمرار خروج الاستثمارات الأجنبية في الأجل القصير، مع ضعف ثقة المستثمرين، رغم ظهور إشارات أولية على الاستقرار منذ منتصف مارس/آذار.
وتبقى المخاطر الرئيسية متمثلة في احتمال تصاعد أو إطالة أمد الصراع، مما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات بين 110 و130 دولاراً للبرميل، وهو ما قد يرفع عجز الحساب الجاري إلى 4.4% من الناتج المحلي.
كما تشمل المخاطر تسارع خروج الاستثمارات الأجنبية، وتباطؤ اقتصادات الخليج بما يؤثر على تحويلات المصريين بالخارج، وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، مما يزيد الضغط على فاتورة الواردات.
وفي حال تفاقم الضغوط، تبدو خيارات التمويل الخارجي أكثر محدودية مقارنة بالأزمات السابقة، في ظل انشغال دول الخليج بمتطلبات السيولة، وارتفاع التزامات مصر لدى صندوق النقد الدولي، إلى جانب توقف إصدار السندات الدولية وتراجع تقييمات الأصول.
ورغم قوة الاحتياطيات، فإن تعدد هذه العوامل قد يحد من قدرة الحكومة على توفير تمويل خارجي إضافي بسهولة خلال الفترة المقبلة.