أعادت السعودية الحرية لعدد من الصقور "الأحرار"، وأطلقتها في سماء كازاخستان، ضمن برنامج دولي أطلقت عليه مسمى "هدد"، لتعزيز توطين الصقور في مواطنها الطبيعية، ومنحها فرصة الاستقرار والتكاثر.
ويتربع الصقر الحر على عرش الصقور عند العرب، الذين يعرفون أنواعاً مختلفةً من الشواهين وصقور الوكري، بينما لم ينتشر لديهم الصيد بصقر الجير (ما يُعرف أيضاً بالكندي) إلا في العقود القليلة الماضية، بسبب تكاثره في الأماكن شديدة البرودة وصعوبة تأقلمه في الصحاري العربية.
وجرت عملية الإطلاق التي نفذها نادي الصقور السعودي في محمية ألتين إيميل الوطنية بكازاخستان، التي تم اختيارها وفق معايير بيئية وعلمية دقيقة، شملت ملاءمة البيئة الطبيعية، واتساع الموائل المفتوحة، ووفرة الفرائس، إلى جانب موقعها الذي يمثل موطناً طبيعياً للصقور خلال موسم التكاثر.
وأكد أحمد الحبابي، نائب الرئيس التنفيذي لنادي الصقور السعودي أن عملية الإطلاق هذه تأتي استجابة للتحديات التي تواجه الصقور، لا سيما الصقر الحر، الذي يعد من الكائنات الفطرية المهددة بالانقراض.
ويهدف برنامج "هدد" الذي نفذه النادي، بحسب الحبابي لتعزيز استدامة الصقور ودعم الجهود البيئية التي تسهم في تكاثر الصقور في الطبيعة، من خلال مسار محلي لإطلاق الشاهين الجبلي والوكري في بيئاتها داخل المملكة، ومسار دولي لإطلاق الصقور من نوعي الحر والشاهين البحري دولياً في بيئاتها خارج المملكة، تعزيزاً للتوازن الفطري ومنعها من الانقراض.
في المقابل، أثنى محافظ منطقة كيربولاق جونس بيكوف جنت أومير بيكوف، على خطوة النادي السعودي، الذي أعاد الحياة لسماء محمية ألتين إيميل بإطلاق الصقور، ودعمها لحمايتها من الانقراض، معتبراً هذه الخطوة هدية ثمينة للأجيال القادمة.
ويمثل إطلاق الصقور في كازاخستان امتداداً لجهود المملكة في الحفاظ على الصقور ودعم الأنواع المهددة بالانقراض.
والتعامل مع الصقور في كازاخستان يعود لجذور ضاربة في التاريخ، وبحسب بعض المراجع، قد تنامت هذه الهواية حينما كان الكازاخيون قبائل بدو رحل، إلى أن بلغ الأمر خلال السنوات الأخيرة، موسماً يجذب آلاف السياح وهواة تربية الصقور والصيد بها، وحددت موسماً للقنص، يبدأ من شهر مايو (أيار) وينتهي في شهر سبتمبر (أيلول).
وتهتم السعودية بالصقور، وتربيتها، في مختلف المناطق، وأقامت لها الأندية والمهرجانات التي تبرز هذا الاهتمام والعناية، مستعيدة ثقافة الصقور وتاريخها بشكل عملي واقعي، لذا أنشأت نادي الصقور السعودي، للحفاظ على الصقور كونها تشكل إرثاً تاريخياً للمملكة، فيما تشكل رياضة القنص إحدى الرياضات التي تحوز شعبية لدى المتابعين ومربي الصقور.
ويعد الصيد بالصقر، أو كما يطلق عليه في السعودية ودول الخليج "الصقارة والمقناص"، ضمن الموروثات في المنطقة، ولها تفاصيلها الخاصة، التي تقوم على تربية الطيور الجارحة، وترويضها لممارسة هواية الصيد.
وسجلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2010 الصقارة – الصيد بالصقور - على لائحة التراث العالمي غير المادي، عملاً بالاقتراح الذي تقدمت به بعض الدول الأعضاء بالمنظمة، وعلى رأسها السعودية.
ولطالما حضرت الصقور في توارد الشعر الفصيح والشعر الشعبي كرمز للقوة والشجاعة، وهناك من أطلق عليه قديما لقب "صقر قريش" وهو عبدالرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية بالأندلس، وأيضاً المغفور له مؤسس الدولة السعودية الثالثة، الملك عبدالعزيز آل سعود الذي لقب بـ"صقر الجزيرة".
وتروي مكتبة الملك عبد العزيز – الأرشيف السعودي الرسمي – عما جاء في التراث العربي، أن الحارث بن معاوية بن ثور الكندي (وهو أحد ملوك مملكة كندة)، يعد أول من عرف الصيد بالصقور في ذاك الزمان، إذ وقع صقر في شرك للطيور وقام بأكل بعض العصافير فيه، فأُعجب الحارث بالطير الغريب، وأمر بصيده، وبعد أيام وبينما كان الحارث مع طيره الغريب تفاجأ به يفلت من بين يديه؛ ليقتنص حمامة عابرة.
وبعد أيام كان الصقر في موعدٍ مع طريدة أكبر وأثمن، فاقتنص أرنباً برياً والحارث ينظر عندها – كما تروي القصة المستند عليها - وعلم الحارث أنه في حضرة طير مختلف، فأمر بتدريبه على الصيد وهذا ما كان، فتوارث العرب في الجزيرة العربية الصيد بالصقور أباً عن جد منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.