وجدت روسيا نفسها في موقع غير متوقع، تستفيد فيه مؤقتاً من الاضطرابات التي تضرب حليفها في الشرق الأوسط، إيران، مع تصاعد الحرب واتساع تداعياتها على أسواق الطاقة العالمية. فالإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز من جانب طهران أدى إلى قفزة حادة في أسعار النفط والغاز، ما وفر مكاسب مالية كبيرة للدول المصدرة للطاقة، وعلى رأسها روسيا.
وبحسب الزميل البارز في مركز "كارنيغي" لمنطقة روسيا أوراسيا، سيرغي فاكولينكو، فإن العائدات التي حققتها موسكو نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب الإيرانية تقدر بمليارات الدولارات. وقال فاكولينكو في مقابلة مع شبكة "CNBC" إن سعر النفط، وخاصة خام الأورال الروسي، قفز بأكثر من 60 دولاراً للبرميل، ما يدر على الخزينة الروسية نحو 9 مليارات دولار شهرياً، وهو مبلغ وصفه بالكبير للغاية.
وأضاف أن دولاً كانت تدرس تقليص مشترياتها من النفط الروسي، مثل الهند، عادت لزيادة الواردات، في وقت أصدرت فيه الولايات المتحدة إعفاءات مؤقتة سمحت لبعض الدول بشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات.
وأشار إلى أن البيت الأبيض منح في وقت سابق من مارس إعفاءً لمدة 30 يوماً يتيح شراء شحنات النفط والمنتجات البترولية الروسية العالقة في البحر، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.
ويتداول سعر برميل خام الأورال حالياً عند نحو 115 دولاراً، مقارنة ب57 دولاراً في 27 فبراير، أي قبل يوم واحد من بدء القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران. كما استفادت الميزانية الروسية من زيادة صادرات الهيليوم والألمنيوم والأسمدة النيتروجينية، وإن كانت هذه المكاسب – بحسب فاكولينكو – أقل بكثير من عائدات النفط من حيث الحجم.
ورغم أن الميزانية الروسية تعاني ضغوطاً داخلية، حيث سجل العجز نحو 35 مليار دولار خلال أول شهرين من العام، فإن أثر الحرب الإيرانية كان ملموساً على الوضع المالي للدولة، وفق فاكولينكو.
وأوضح أن هذه العوائد الإضافية منحت الرئيس فلاديمير بوتين مساحة لتأجيل خفض الإنفاق الحكومي في قطاعات مختلفة، وهي خطوة كانت ستواجه معارضة شعبية.
وقال فاكولينكو إن الإنفاق العسكري الضخم كان يعني عملياً رهن مستقبل البلاد، إلا أن ارتفاع عائدات الطاقة خفف هذا الضغط مؤقتاً، ما أتاح للكرملين تجنب قرارات مالية صعبة في الوقت الراهن.
غير أن خبراء يحذرون من أن هذه المكاسب قد لا تدوم طويلاً، إذ يرتبط استمرارها بطول أمد الحرب. وفي الوقت نفسه، تساهم الفوضى في الشرق الأوسط في صرف الأنظار عن المشكلات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الروسي منذ غزو أوكرانيا عام 2022.
فالتضخم، الذي يبلغ حالياً نحو 5.9%، لا يزال يشكل تحدياً كبيراً للبنك المركزي الروسي، الذي اضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة تصل إلى 15%. ويواجه البنك صعوبة في كبح جماح الأسعار، في ظل الإنفاق العسكري المكثف، وتحول الاقتصاد الروسي لخدمة آلة الحرب، إلى جانب ارتفاع أسعار الغذاء، ونقص العمالة، واستمرار العقوبات الغربية.
وفي هذا السياق، قال الجنرال المتقاعد ريتشارد شيريف، نائب القائد الأعلى السابق لقوات "الناتو" في أوروبا، إن المكاسب الاقتصادية القصيرة الأجل التي تحققها روسيا تخفي واقعاً أكثر قتامة. وشبه شيريف الاقتصاد الروسي بمتسلق جبال تجاوز ارتفاع 8000 متر، حيث يبدأ الجسد في استهلاك نفسه، محذراً من أضرار وجودية طويلة الأمد، رغم المكاسب الحالية التي يحققها بوتين.
وتراقب أوكرانيا بقلق بالغ حجم الفوائد التي تجنيها موسكو من الحرب الإيرانية، ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً على الصعيد الجيوسياسي. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بعض شركاء بلاده دعوا كييف إلى تقليص ضرباتها لقطاع النفط الروسي، بسبب القفزة العالمية في أسعار النفط.
كما أسهمت الحرب في تحويل الاهتمام والموارد العسكرية الأميركية بعيداً عن أوكرانيا. وأوضح شيريف أن الولايات المتحدة استخدمت خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب مع إيران ما يقارب أربعة أضعاف عدد صواريخ "باتريوت" التي زودت بها أوكرانيا خلال أربع سنوات، ما يعني – بحسب قوله – أن موسكو تستفيد من تراجع حجم الدعم العسكري المتاح لكييف.
وقال شيريف إن بوتين يحقق مكاسب حالية، ليس فقط من ارتفاع أسعار الطاقة، بل أيضاً من تراجع الإمدادات العسكرية التي تصل إلى أوكرانيا، في وقت تتفاقم فيه التحديات طويلة الأجل التي تهدد الاقتصاد الروسي.