يجد المستثمرون أنفسهم عالقين بين احتمال التوصل إلى اتفاق سريع ينهي حرب إيران، واحتمال تصعيد كبير قد يدفع أسعار النفط وعوائد السندات إلى مزيد من الارتفاع، وذلك مع انطلاق أسبوع تداول ضعيف السيولة بسبب العطلات.
وفيما منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهلة لإيران من أجل التوصل لاتفاق وفتح مضيق هرمز، مؤكداً أنها تنتهي مساء غد الثلاثاء محذرًا إيران من أنها "ستعيش في الجحيم" حال عدم الاتفاق أو فتح المضيق، كشف مصدر مطلع أن الجانبين الأميركي والإيراني تلقيا خطة لإنهاء الأعمال القتالية ربما تدخل حيز التنفيذ اليوم الاثنين وفق ما نقلت وكالة رويترز.
كما أشار المصدر إلى أن تلك الخطة أو المقترح في حال الموافقة عليه ستقود إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، على أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 15 إلى 20 يوماً.
تقلبات حادة في النفط… برنت يتمسك بمستوى 108 دولارات مع آمال هدنة إيران
من جانبه، قال رئيس قسم الأبحاث في مجموعة Equiti، رائد الخضر، إن المشهد الجيوسياسي ما زال يتسم بدرجة عالية من التضارب بين التصريحات الأميركية والإيرانية، رغم الحديث المتكرر عن هدنة محتملة لمدة 45 يوماً. وأوضح أن إعلان طهران أن الولايات المتحدة "غير مستعدة لوقف دائم لإطلاق النار" يشير إلى استمرار التوتر بين الجانبين، وهو ما يبقي الأسواق في حالة قلق واضح.
وأضاف الخضر أن ما تحتاجه الأسواق في هذه المرحلة هو "الوضوح الكامل"، مشيراً إلى أن الضبابية الحالية هي العامل الأكبر الذي أثقل كاهل الشركات والمستثمرين، لأنها تعيق القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى أو تحديد بدائل واضحة في حال تطور الأزمة.
وأكد أن غياب البوصلة في ظل المشهد الجيوسياسي الضاغط هو ما يدفع كلاً من المستثمرين قصيري الأجل وطويلي الأجل إلى التريث، مما فاقم الضغوط على الأسواق خلال الأسابيع الماضية.
وقال إن الوضع وصل إلى "عنق الزجاجة"، حيث تقف الأسواق أمام سيناريوهين متناقضين: إما فتح مضيق هرمز والتحرك نحو تهدئة دائمة، أو احتمالات التصعيد العسكري في أي لحظة. واعتبر أن هذه الحالة تجعل القرارات الاستثمارية "على الحافة تماماً"، وتؤثر بشكل مباشر على المنتجات والأصول الأكثر تداولاً عالمياً.
وفي مقابلة منفصلة مع قناة "فوكس نيوز"، يوم الأحد، أعرب ترامب عن تفاؤله بوجود "فرصة جيدة" للتوصل إلى اتفاق بحلول يوم الاثنين.
وقد أدت هذه الرسائل المتناقضة إلى وضع الأسواق أمام أسبوع يضطر فيه المستثمرون إلى الاستعداد لنتائج متباينة بشكل حاد، وفقاً لتقرير نشرته شبكة "CNBC" الأميركية، واطلعت عليه "العربية Business".
في المقابل، رفضت إيران تهديدات ترامب الأخيرة، مؤكدة أن الممر المائي الحيوي لن يُعاد فتحه بالكامل إلا بعد حصول طهران على تعويضات عن أضرار الحرب، في وقت واصلت فيه ضرباتها عبر الخليج خلال عطلة نهاية الأسبوع، بما في ذلك استهداف مقر نفطي في الكويت.
وقال الأستاذ مساعد المالية في جامعة الإمام الدكتور عبدالله السلوم، إن التوجه نحو التهدئة قد يدعم معنويات المستثمرين في السوق السعودية والأسواق العالمية.
وأضاف أن الأنباء المتداولة حول تلقّي طهران المقترح الباكستاني ودراسته تمثل "نبرة دبلوماسية أكثر هدوءاً"، مشيراً إلى أن أي مؤشرات على التهدئة ستنعكس إيجاباً على معنويات المستثمرين.
وأوضح أن الحلول السياسية للأزمة الحالية "ستخدم الأسواق المالية عالمياً"، لاسيما أن مضيق هرمز يُعد شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة على مستوى العالم، موضحاً أن عودة الصادرات بكامل طاقتها ستخفف من حالة القلق التي انعكست على حركة الأسواق خلال فترة التوتر.
وقال السلوم إن تأثير الهدنة المحتملة على أسعار الطاقة والبتروكيماويات سيظل "مرهوناً بمدى تنفيذ الاتفاق ومصيره"، موضحاً أن التفاؤل الحالي مرتبط بحالة ترقب وضرورة تأكيد نتائج المفاوضات، لأن الاعتماد على أخبار غير مثبتة قد يعيد التقلبات إلى الأسواق في حال تبدّل أي مسار سياسي.
تباين الرسائل يعزز تقلبات الأسواق
وقال روب سوبارامان، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي في "نومورا": "الأسواق في حالة توتر، فالوقت ينفد والنتائج ثنائية - إما هدنة أو تصعيد". وأضاف أن نبرة ترامب تعكس قدرًا من الاستعجال داخل البيت الأبيض لإنهاء الحرب، بينما يواصل المستثمرون التحوط ضد "مخاطر التصعيد".
وكان ترامب قد تذبذب بين الإشادة بالمحادثات مع إيران واعتبارها مثمرة مع قرب التوصل إلى اتفاق سلام، وبين التحذير من استعداده لتصعيد العمل العسكري ضد طهران، كما قام مرارًا بتمديد المهلة الممنوحة لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز.
وأدى هذا التباين في الرسائل إلى تقلبات في الأسواق، رافقها تداول متذبذب في أسعار النفط. وارتفع مؤشر "S&P 500" بنسبة 3.4% الأسبوع الماضي، مسجلًا أفضل أداء أسبوعي له منذ نوفمبر، مع إقبال المستثمرين على الشراء عند الانخفاضات بدافع الأمل في حل دبلوماسي. كما قفز مؤشر التقلبات "فيكس" من أقل من 20 قبل الحرب إلى نحو 24 الأسبوع الماضي.
وقال موهيت ميربوري، مدير صندوق أسهم في "SGMC كابيتال": "نبرة التصعيد لدى ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع تتماشى تمامًا مع أسلوبه القائم على العناوين، وغير القابل للتنبؤ، والمصمم لفرض أقصى قدر من الضغط بسرعة".
وأضاف: "سيتعين على الأسواق التكيف مع هذا النمط من صنع السياسات في المستقبل المنظور طالما بقي في منصبه".
مخاطر الركود التضخمي تلوح في الأفق
تهدد الحرب المستمرة منذ شهر والحصار الفعلي لمضيق هرمز بإغراق العالم في واحدة من أشد أزمات الطاقة في تاريخه. وحتى في حال تحقيق اختراق دبلوماسي، قد لا ينعكس ذلك سريعًا على الأسواق، بحسب محللين.
وارتفعت أسعار خام برنت إلى 109.77 دولار للبرميل يوم الاثنين، بزيادة تقارب 50% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير. كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 66% ليصل إلى 111.2 دولار حتى الساعة 3 بتوقيت غرينتش.
ورغم تحسن طفيف في الأيام الأخيرة، فلا تزال حركة الشحن عبر مضيق هرمز - الذي كان يمر عبره نحو ربع النفط المنقول بحرًا عالميًا وخُمس الغاز الطبيعي المسال قبل الحرب - أقل بنسبة 95% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وقال ميربوري: "حتى في سيناريو بقاء المضيق مفتوحًا، فإن الضرر الذي لحق بالثقة وسلاسل الإمداد قد حدث بالفعل - فالأوضاع لا تعود إلى طبيعتها بسرعة". وأضاف: "من المرجح أن تظل الأسواق حساسة للأخبار، مع تقلبات حادة صعودًا وهبوطًا مع تغير الروايات".
كما أن قرار تحالف "أوبك+" يوم الأحد برفع حصص الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا لشهر مايو، لن يكون كافيًا لتعويض نقص الإمدادات، في ظل القيود التي فرضتها الحرب على الإنتاج والشحن من بعض أكبر منتجي النفط في العالم.
وقال سوبارامان إن الحرب "استمرت لفترة كافية لحدوث موجات تضخم حادة حول العالم"، محذرًا من أنه "إذا تصاعدت الحرب من هنا، فقد تتحول صدمة التضخم سريعًا إلى صدمة نمو، مع تراجع الطلب وحدوث ركود تضخمي فعلي".
عوائد السندات.. خطر مُستهان به
تشهد أسواق الدخل الثابت إعادة تسعير هادئة لتوقعات التضخم. فقد ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.362% يوم الإثنين، مقارنة بـ3.962% قبل اندلاع الصراع، مقتربًا من أعلى مستوياته منذ منتصف 2025، مع تقليص المستثمرين رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.
وقال ميربوري: "أحد أكبر المخاطر التي لا تحظى بالتقدير الكافي هو تحرك عوائد السندات الحكومية". وأضاف: "إذا انعكست هذه الصدمة الجيوسياسية على توقعات تضخم مستدامة، فقد ترتفع العوائد مجددًا، مما يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية في وقت تعاني فيه الأسواق بالفعل من الهشاشة".
من جانبه، قال استراتيجي "وول ستريت" إد يارديني إن أسواق السندات تعيد تسعير أدوات الدين الحكومية لتعكس التدهور السريع في آفاق التضخم، مع "تحرك حراس السندات بشكل مستقل لتشديد الأوضاع الائتمانية".
وحذر يارديني: "لا يمكننا استبعاد دخول سوق هابطة أو حتى ركود اقتصادي. كل شيء يعتمد على مدة إغلاق المضيق"، في إشارة إلى تفاقم الأضرار الاقتصادية الناتجة عن اضطراب تدفقات الطاقة العالمية.
تقلبات مدفوعة بالعناوين
مع اقتراب موعد المهلة يوم الثلاثاء، من المتوقع أن تظل الأسواق شديدة التقلب، في ظل محاولة المستثمرين تقييم كل إشارة تصدر من واشنطن وطهران.
وارتفعت أسواق اليابان وكوريا يوم الاثنين بعد تقرير لموقع "أكسيوس" أفاد بأن الولايات المتحدة وإيران ومجموعة من الوسطاء الإقليميين يناقشون شروط هدنة محتملة لمدة 45 يومًا قد تمهد لإنهاء دائم للحرب، رغم أن التقرير أشار إلى أن فرص التوصل إلى اتفاق جزئي قبل الموعد النهائي لا تزال ضعيفة. في المقابل، تراجعت المؤشرات الرئيسية في الهند.
وقال هيروكي شيمازو، كبير الاستراتيجيين في "MCP لإدارة الأصول": "نحن الآن في سوق تحركها الأحداث، حيث تهيمن مخاطر الأخبار على تحركات التداول اليومية، ويتعين على المستثمرين الاستعداد لنتائج ثنائية".
وتوقع أن يتجه الطرفان نحو خفض التصعيد بوساطة عُمان عبر "تقليص تدريجي وهادئ لوتيرة الضربات"، بدلًا من التوصل إلى حل حاسم. وأضاف: "نحن في مرحلة جمود ممتدة، ولسنا قريبين من حل نهائي"، متوقعًا استمرار التقلبات خلال الأسابيع المقبلة.
بيانات اقتصادية مرتقبة وضغوط على الذهب
يترقب المستثمرون أيضًا صدور حزمة من البيانات الاقتصادية الأميركية المهمة هذا الأسبوع، من بينها مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر فبراير - وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي - والمقرر صدوره يوم الخميس، والذي سيعطي قراءة أولية حول مدى انتقال صدمة النفط إلى الأسعار في أكبر اقتصاد في العالم.
وفي الوقت نفسه، يتعرض الذهب الفوري، الذي تراجع بنحو 12% منذ بداية الحرب إلى 4,672.03 دولار للأوقية، لضغوط متباينة بين الطلب عليه كملاذ آمن، وبين تأثير قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات. إذ أدى ارتفاع الدولار إلى جعل الذهب المُسعر به أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، بينما قلصت العوائد المرتفعة جاذبية المعدن الذي لا يدر عائدًا.
وقال شيتان سيث، استراتيجي الأسهم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى "نومورا": "عدم اليقين على المدى القريب مرتفع للغاية، وبالنسبة لمعظم المستثمرين، فإن الاستراتيجية الحالية هي الانتظار والمراقبة".