معاناة عاطفية تسبب العطاء بسخاء.. عالمة نفس تكشف السر

المصدر: العربية.نت – جمال نازي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

في بعض الأحيان يكون هناك شخص يتذكر كل عيد ميلاد. يلاحظ عندما يكون أحدهم متعباً ويرسل له رسالة دون أن يُطلب منه ذلك. يأتي بالطعام عندما يكون هناك مريض، ويصلح الشيء الذي ذكر قريبه أو صديقه أنه مكسور منذ 3 أسابيع، ويعرف دائماً الهدية المناسبة.

وحدة عميقة

ووفق مجلة VegOut، يعد هذا الشخص على الأرجح شريك حياة استثنائي أو أب أو أم حنون أو الصديق الذي يصفه الجميع بأنه "الكريم"، لكنه على الأغلب يعاني من وحدة عميقة.

لكن هي ليست وحدة بالمعنى الذي يمكن ملاحظته من الخارج. إذ تبدو حياته مليئة وعلاقاته وثيقة. يعطي بسخاء وكرم بالغين، ما يدفع المرء إلى افتراض أنه يتلقى مقابل ذلك. إلا أن هذا غير صحيح بل وإذا تم سؤاله عن ذلك مباشرة فهو يميل لتغيير الموضوع.

(تعبيرية من آيستوك)
(تعبيرية من آيستوك)

وكرست عالمة النفس جونيس ويب حياتها المهنية لتوثيق هذا النمط من الأشخاص، الذين نشأوا دون تناغم عاطفي كاف والذين لا يتوقفون عن الحاجة إلى التواصل، بل يتعلمون توليده من اتجاه واحد فقط. إذ يصبح عطائهم سخي بلا هوادة لأن العطاء هو الشكل الوحيد للتقارب الذي لا يتطلب منهم إظهار ضعفهم. فالضعف، بالنسبة لمن تعلّم مبكراً أن احتياجاته العاطفية لن تلبى، يبدو أقل حميمية وأقرب إلى الوقوف في زحام المرور، بمعنى أنه يكون مزعج بشكل مؤرق.

إهمال عاطفي في الطفولة

يعتبر الإهمال العاطفي في الطفولة من أكثر المواضيع التي لم تُناقش في علم النفس، ويعود ذلك جزئياً إلى صعوبة ملاحظته. إذ لا يتعلق الأمر بما حدث بل بما لم يحدث، حيث لا يكون هناك إساءة بالغة ولا ندوب ظاهرة، بل مجرد غياب هادئ ومزمن للتناغم العاطفي من الأشخاص الذين كان من المفترض أن يوفروه له.

وتشير الأبحاث حول الإهمال العاطفي في الطفولة وعلاقاته في مرحلة البلوغ إلى نتيجة ثابتة ألا وهي أن الأطفال، الذين لا تلبى احتياجاتهم العاطفية، لا يتعلمون أن العواطف غير مهمة، بل يتعلمون شيئاً أكثر تحديداً وأكثر ضرراً. يتعلمون أن عواطفهم عبء، وأن التعبير عن الحاجة أمر محفوف بالمخاطر، وأن أسلم طريقة للبقاء على تواصل مع الآخرين هي أن يجعل نفسه مفيداً بدلاً من أن يُعرّف بنفسه.

عالم الطفل الداخلي

العديد من الآباء المهملين عاطفياً محبون، حاضرون، وحسنو النية. غير أنهم ببساطة لا يعرفون كيف يتفاعلون مع عالم طفلهم الداخلي لأن أحداً لم يتفاعل مع عالمهم.

(تعبيرية من آيستوك)
(تعبيرية من آيستوك)

وينتقل هذا النمط بصمت من جيل لآخر، دون أن يلاحظه أحد. أما ما يستوعبه الطفل فهو معادلة بسيطة مدمرة وهي أنه يكون بأمان عندما يكون مطلوباً، وأنه في خطر عندما يحتاج. فيما تلازمه هذه المعادلة في كل علاقة طوال حياته.

العطاء كاستراتيجية للتقارب

إذا تساءلت يوماً عن سبب عطاء بعض الناس بشكل قهري، وغريزي، يتجاوز بكثير ما يتطلبه الموقف، فهذه هي الآلية الكامنة وراء ذلك. إن العطاء يخلق تقارباً دون انكشاف. فعندما تكون الشخص هو من يعد الطعام، أو ينظم الرحلة، أو يتذكر الذكرى السنوية، أو يحل المشكلة، يصبح حميماً دون أن يكون كذلك. ويصبح الشخص حاضر في قلب العلاقة، أساسي ومقدر، لكن حسب شروطه. لا أحد يطلب منه الانفتاح. لا أحد يحاول اختراق سطحه. ويكون الناس مشغولون جداً بتلقي ما يقدمه.

إنها استراتيجية رائعة. تنجح لسنوات، بل لعقود أحياناً. حيث يبني المعطي حياة مليئة بأشخاص يحبونه، أو على الأقل يحبون ما يقدمه. كما يحيط نفسه بعلاقات دافئة وردود فعل إيجابية ومن الخارج، يبدو كل شيء كرماً. بينما يكون الأمر من الداخل وحدة مقنعة، لأن الشخص الذي يقدم كل هذا العطاء يعلم، في مكان ما، أن لا أحد في حياته يعرفه حقاً.

رومانسية غير متوازنة

في العلاقات الرومانسية، يخلق هذا النمط ما يبدو ظاهرياً كإخلاص، إلا أنه في الواقع أشبه بنظام دفاعي. فيصبح شريك الحياة، الذي نشأ دون عاطفة، هو من يتوقع كل احتياجات الآخر ومن يلاحظ شعوره بالبرد قبل أن يلاحظه الآخر بنفسه، فيحضر له سترة. كما أنه من يحفظ طلب الآخر المفضل من القهوة بعد موعد واحد ولا ينساه أبداً. وهو من يخطط وينظم ويرعى ويهتم بالعلاقة باهتمام يكاد يكون هاجساً.

يمكن أن يكون هذا الشعور رائعاً. وهو حقيقي، بمعنى أن الحب الكامن وراءه صادق. لكنه أيضاً غير متوازن بنيوياً.

(تعبيرية من آيستوك)
(تعبيرية من آيستوك)

إذ تشير الأبحاث حول الارتباط والعلاقات بين البالغين إلى أن الأشخاص ذوي أنماط الارتباط غير الآمنة، خاصة تلك المتجذرة في الإهمال العاطفي، غالباً ما يعانون من أمرين في آن واحد هما رغبة عميقة في التقارب، وشعور بالغ بعدم الارتياح تجاه أن يُروا على حقيقتهم. فيما تكون النتيجة هي أسلوب في العلاقات يكرسون فيه أنفسهم لتجربة شريكهم، بينما يبقون تجاربهم الشخصية طي الكتمان.

في حين يصل الأمر إلى أنهم عندما يُسألون عما يحتاجونه، يراوغون ويحولون الحديث إلى استفسار عن أحوال موجه السؤال وسيشعرون بعدم الارتياح إذا كان هناك محاولة لمبادلتهم نفس القدر من الاهتمام، لأن التلقي يتطلب نوعاً من الاستسلام لم يتعلموا يوماً أنه آمن.

نمط تربية جميل ومحزن

هؤلاء الأشخاص يقدمون نمطاً للتربية جميلاً ومحزناً في آن واحد. فهم عادة يصبحون آباء شديدي التناغم. يلاحظون ما غاب عن آبائهم، ويؤكدون مشاعر تجاهلها آباؤهم.

فيخلقون البيئة العاطفية التي لم يحظوا بها قط، ليس لأنهم قرأوا كتاباً عن التربية، بل لأنهم يتذكرون، في أعماقهم، كيف كان شعورهم بالنشأة بدونها.

ألم ونقص دون علاج

من الصعب المبالغة في وصف ألم ذلك. فبينما يبنون عالماً عاطفياً ثرياً لأطفالهم، يبقى النقص الذي يعانونه في داخلهم دون معالجة. هم يملؤون خزانات لم تملأ قط.

أما التكلفة العاطفية لهذا العطاء المستمر، أي منح ما هو في أمس الحاجة إليه، يوماً بعد يوم، عاماً بعد عام، لا تظهر في فحص الصحة النفسية. بل تظهر وهم يجلسون وحيدين على الأريكة في المساء بعد نوم أطفالهم، إذ يشعرون بفراغ لا يستطيعون وصفه ولا يخطر ببالهم ذكره. إنها الوحدة التي لا يصدقها أحد، وهو الجانب الأقسى في هذا النمط لأنه يجعل الوحدة خفية، حتى عن أقرب الناس إليه.

(تعبيرية من آيستوك)
(تعبيرية من آيستوك)

وتصف ويب هذا الشعور بأنه "العيش على حافة الهاوية" أي تجربة عيش حياة كاملة وناجحة مع شعور دائم، لا يمكن تفسيره، بأن شيئاً أساسياً مفقود. ليس لأن الحياة سيئة، بل لأن الشخص الذي يعيشها لم يعلم قط كيف يتلقى ما يحتاجه بشدة، وهو أن يُرى ويُفهم عاطفياً بصدق.

العطاء ثنائي الاتجاه

إن العطاء شعور جيد. إذ ينشط مسارات المكافأة في الدماغ. كما يولد الامتنان والدفء والتعزيز الاجتماعي. وبالنسبة لشخص تعلم مبكراً أن قيمته تكمن فيما يقدمه، فإن كل عمل من أعمال الكرم هو تأكيد بسيط على أنه يستحق أن يكون قريباً، وأن يكون جزءاً من حياة شخص آخر.

(تعبيرية من آيستوك)
(تعبيرية من آيستوك)

لكن العطاء ليس هو التواصل وبالتالي يتطلب اتجاهين. يستوجب السماح لشخص ما بالاطلاع على جوهر الآخر الحقيقي، دون تزييف أو تمثيل، ليس فقط ذلك الجوهر الذي يظهر بحلوى منزلية الصنع وأذن صاغية، بل ذلك الجوهر المتعب والحائر والخائف والمحتاج والمتردد.

إنه الجوهر، الذي تم إغلاقه في الطفولة. وإعادة فتح تلك القناة، وتعلم قول "أنا أعاني" أو "أحتاج للمساعدة" أو حتى "أشعر بالوحدة" لمن يحبونه، يبدو طبيعياً تماماً كالكتابة باليد غير المسيطرة. حيث تكون العضلات موجودة، لكنها ضمرت من عقود من عدم الاستخدام.

بداية الرغبة في التغيير

توضح ويب أن التغيير يبدأ بالاستعداد للشعور بعدم الارتياح، بتقبل ذلك الشعور المزعج، شبه الجسدي، الناتج عن تقبل العناية والاهتمام من شخص آخر وبمقاومة الرغبة في تحويل كل حديث إلى الشخص الآخر أو بالإجابة بصدق على سؤال "كيف حالك؟" حتى عندما يرغب الجسد كله في قول "بخير، كيف حالك؟".

ويجب أن يبدأ الشخص في أن يدع الآخر يدخل حياته ولو قليلاً. وإذا شعر بعدم الراحة أو الأمان، ينبغي أن يكرر لنفسه أن هذا الشعور يعود للماضي والطفولة وليس الحاضر.

في نهاية المطاف يجب أن يتلقى ما كان يعطيه للآخرين ويتوق إليه بصمت طوال حياته. عندئذ يمكن أن يشعر وكأنه تبادل للعطاء والتفاني في الحب.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط