قد يبدو المدير الذي يتبنى أسلوباً "غير تدخلي" حلماً مثالياً للموظفين، لكن هذا النمط في القيادة قد يتحول سريعاً إلى أحد أخطر الإشارات التحذيرية داخل بيئة العمل، بحسب تحذير أطلقه فينياس تاتار، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة "Viva Talent".
المدير الهادئ الذي لا يمارس الإدارة الدقيقة يمنح فريقه مساحة من الاستقلالية والمرونة، وهو ما يقدره كثير من الموظفين. وتشير بيانات صادرة عن شركة "BambooHR" في أكتوبر الماضي إلى أن 38% من العاملين يفضلون أسلوب الإدارة غير التدخلية.
لكن المشكلة، وفق تاتار، تبدأ عندما تتحول هذه الاستقلالية إلى قيادة سلبية (غير نشطة). وقال إن القيادة غير النشطة تعني أن يتجنب المديرون اتخاذ القرارات الصعبة، ويؤجلون تقديم الملاحظات، معتقدين أن الأمور تسير على ما يرام فقط لأن الجميع يبدو مشغولاً، دون أن يكون العمل فعلياً منتجاً. ويحذر من أن تمرير القيادة السلبية على أنها تمكين للموظفين أمر بالغ الخطورة.
وأكد تاتار أن الإدارة غير التدخلية ليست سيئة بطبيعتها، فبعض الموظفين يحققون أفضل نتائجهم عندما يمنحون حرية كاملة في العمل، خاصة أولئك الذين أثبتوا قدرتهم على الإنجاز باستمرار. المدير الجيد، بحسبه، هو من يعرف متى يمنح هذه المساحة ومتى يتدخل.
غير أن الخلل يحدث عندما يختار المدير الابتعاد ليس بسبب كفاءة الفريق، بل لأسباب تتعلق به هو شخصياً. هذا النهج ينعكس على كل تفاصيل الإدارة، من التوجيه إلى المتابعة والتغذية الراجعة. ويحدد تاتار ثلاث مشكلات رئيسية تنشأ عن هذا الغياب غير المبرر.
أولاً، صمت المدير قد يفهم على أنه موافقة ضمنية، ما يشجع أداءً ضعيفاً أو يدفع الموظفين لاتخاذ قرارات دون بوصلة واضحة. ثانياً، ما يسمى بعقلية الشخص اللطيف قد تعرقل النمو المهني، إذ يؤدي غياب الملاحظات والدعم والتطوير إلى بحث الموظفين عن بيئة أكثر تحدياً. أما ثالثاً، فإن تأجيل القرارات يقتل الزخم، فتتعطل المشاريع، ولا تحترم المواعيد النهائية، ويتراجع الحافز لدى الفرق.
وتدعم الأرقام هذه المخاوف؛ إذ أظهر تقرير "BambooHR"، الذي شمل 1500 موظف بدوام كامل في الولايات المتحدة، أن 33% ممن تركوا وظائفهم في عام 2024 فعلوا ذلك بسبب غياب التغذية الراجعة البناءة، بينما استقال 34% نتيجة نقص التقدير.
ويختصر تاتار الصورة بقوله إن التأثير سلبي على جميع المستويات، لأن الموظفين حين لا يشعرون بالدعم أو التوجيه، ينتابهم إحساس بأنهم وقعوا على وعد زائف.
كيف تتعامل مع مدير سلبي؟
رغم ذلك، ينصح تاتار بعدم التسرع في تصنيف المدير السلبي على أنه مدير سيئ. فقد يكون مثقلاً بالمهام ولا يمتلك الوقت الكافي لمنح كل فرد اهتماماً خاصاً. وفي هذه الحالة، تقع على الموظف مسؤولية فتح قنوات تواصل أكثر وضوحاً.
ويوصي بأن يبادر الموظفون بتوضيح احتياجاتهم، سواء في طريقة تلقي الملاحظات أو في طلب دعم محدد، خاصة عند السعي للترقية. صحيح أن هذه النقاشات قد تكون غير مريحة، لكنها ضرورية للنجاح المهني.
كما يمكن استغلال الاجتماعات الدورية لإجراء فحص نبض للعلاقة المهنية، من خلال السؤال عن تقييم المدير لأداء الفريق وطرح أي مخاوف بشكل مباشر.
ولا يقتصر الأمر على الموظفين فقط. إذ يدعو تاتار القادة أنفسهم إلى مراجعة ذاتية منتظمة، عبر تقييم مستوى الحافز والالتزام والرضا عن الحياة الشخصية والعملية، ثم البدء بمعالجة الجوانب الأضعف أولاً. وقال: "الجميع يمكنه البدء في ذلك اعتباراً من الغد".