خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حاولت الإمبراطورية الروسية استغلال فترة الضعف التي عانت منها الدولة العثمانية واتجهت للتوسع على حسابها. فاتجه الروس لإعلان الحرب على العثمانيين عام 1853.
وأمام التقدم الروسي في هذه الحرب، لجأت فرنسا وبريطانيا، والتحقت بهم مملكة سردينيا لاحقاً، للتدخل لصالح الدولة العثمانية بهدف الحد من التوسع الروسي بالشرق.
كما لم يتردد البريطانيون والفرنسيون، في خصم هذا النزاع، الذي عرف بحرب القرم، في إرسال قواتهم نحو القرم وتحديداً نحو سيفاستوبول التي مثلت قاعدة بحرية وعسكرية هامة للروس. ومن خلال هذا الإجراء، حاولت فرنسا وبريطانيا الحد من النفوذ الروسي بالبحر الأسود.
الحصار البري حول سيفاستوبول
في سبتمبر (أيلول) 1854، حلت القوات البريطانية والفرنسية بالقرم. وعقب إنزال ناجح، خاضت هذه القوات معركة ألما (Alma) ضد الروس يوم 20 سبتمبر (أيلول) 1854. فيما منيت القوات الروسية بهزيمة قاسية أجبرتها على التراجع نحو سيفاستوبول والاحتماء خلف أسوارها.
على إثر ذلك، اتجه البريطانيون والفرنسيون للزحف نحو سيفاستوبول ومحاصرتها. وأثناء هذا الحصار، حفر الحلفاء خنادق وبنوا تحصينات على طول المناطق المطلة على سيفاستوبول. في حين اصطدمت القوات الروسية، خلال هذا الحصار الذي تميز بتبادل كثيف للقصف، بأكثر من مناسبة مع قوات الحلفاء خاصة ضمن معركة بالاكلافا (Balaklava) يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1854.
كما استمر حصار سيفاستوبول لنحو 11 شهراً. بينما مثل فصل الشتاء ما بين 1854 و1855 أكثر فترات الحصار قسوة حيث شهدت تلك الفترة وفاة نحو 150 ألف عسكري من كلا الطرفين بسبب الأمراض التي تفشت بصفوفهم.
حصار بحري خانق
وإضافة للحصار البري على سيفاستوبول، اتجه الحلفاء لفرض حصار بحري على الإمبراطورية الروسية. إذ تمكنت السفن البريطانية والفرنسية من تحقيق هيمنة مطلقة في البحر الأسود، حيث حاصرت سيفاستوبول بشكل محكم ومنعت وصول أية إمدادات إليها عبر البحر.
من جهتهم، تيقن الروس من عدم قدرتهم على مقارعة السفن الفرنسية والبريطانية. ولهذا السبب، لجأوا لإغراق سفنهم عند مدخل ميناء سيفاستوبول لمنع عبور القطع الحربية التابعة للعدو لداخل المدينة.
إلى ذلك، أكمل هذا الحصار البحري الحصار البري وساهم إنجاح عزل وخنق سيفاستوبول التي عانت بشكل تدريجي من نقص فادح بالغذاء والذخيرة. وعقب خسارتهم لحصن مالاكوف (Malakoff)، التي مثلت نقطة دفاعية هامة، تيقن الروس من عدم قدرتهم على الحفاظ على سيفاستوبول واتجهوا للانسحاب منها مفضلين تركها للحلفاء.
ولضمان الهيمنة على البحر الأسود، لم يتردد الفرنسيون والبريطانيون في فرض حصار على البلطيق حيث عمدوا لقصف الموانئ الروسية المطلة على هذا البحر وشنوا هجمات ضد السفن الروسية لمنعها من المغادرة والتقدم نحو البحر الأسود لفك الحصار عن سيفاستوبول.
فيما ساهم هذا الحصار خلال الأشهر التالية في إضعاف موقع الإمبراطورية الروسية التي وافقت على إنهاء الحرب والقبول بشروط الحلفاء يوم 30 مارس (آذار) 1856.