تدخل إمدادات النفط الإيرانية مرحلة تعديل قسري في الإنتاج، نتيجة تزامن صدمتين حادتين في آن واحد: اضطراب البنية التحتية المادية، والتوقف شبه الكامل لعمليات تحميل الصادرات. وتشير تقديرات شركة البيانات "كبلر" إلى أن إيران باتت على أعتاب تخفيضات إجبارية في الإنتاج خلال أسابيع، مع اقتراب سعات التخزين من الامتلاء، ما يفرض واقعاً جديداً على قدرات البلاد النفطية في المدى القريب والمتوسط.
ووفق المؤشرات الحالية، من المرجح أن تصل طاقة التخزين إلى الحد الأقصى خلال نحو 20 إلى 24 يوماً فقط، ما سيجبر طهران على تنفيذ خفض سريع في الإنتاج. وتبدو هذه الخسائر غير متوازنة بين أنواع الخام المختلفة، مع توقع تأثر خام "إيران الخفيف" بشكل أكبر، في حين قد تكون بعض الخسائر دائمة، نظراً لطبيعة المكامن الكربونية الناضجة التي تفرض إيقافات انتقائية يصعب عكسها لاحقاً.
ورغم أن إنتاج النفط الإيراني تراجع بالفعل بنحو 750 ألف برميل يومياً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ويعزى ذلك جزئياً إلى انخفاض الطلب المحلي خلال فترة النزاع، فإن القيود الأكثر عمقاً ترتبط بالضربات الإسرائيلية التي استهدفت خمس مراحل من حقل جنوب بارس، بحسب المحلل في "كبلر"، همايون فلكشاهي، وقال: "هذه الضربات خفضت طاقة إنتاج المكثفات بنحو 100 إلى 120 ألف برميل يومياً لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وهو ما يضع سقفاً واضحاً لتعافي إنتاج السوائل الهيدروكربونية حتى في حال استئناف الصادرات".
في المدى القريب، تبقى القيود البحرية الأميركية العامل الأكثر تأثيراً. فقد توقفت الصادرات فعلياً بعد عدد محدود من عمليات التحميل الأسبوع الماضي، فيما لا تزال ناقلتان من فئة VLCC عالقتين في الخليج العربي، بما يسمح بتحميل نحو 4 ملايين برميل إضافية فقط. وباحتساب صادرات معطلة بنحو 1.8 مليون برميل يومياً، وسعة تخزين برية تقدر بنحو 39 مليون برميل، فإن الطاقة المتاحة قد تستنفد خلال أقل من شهر. ويرجح أن تكون السعة التشغيلية الفعلية أقل من ذلك، بسبب قيود التدفق وأحجام الخزانات غير القابلة للاستخدام، رغم احتمال وجود طاقة تخزين إضافية لدى مصافي شمال إيران مثل طهران وتبريز وأصفهان.
وقال فلكشاهي: "على الرغم من أن وصول ناقلتين إضافيتين قد يوفر تخزيناً عائماً محدوداً، فإن ذلك لا يغير الصورة العامة أو الجدول الزمني. وبالتالي، من المرجح أن تبدأ شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) بتنفيذ خفض استباقي للإنتاج خلال أيام، مع احتمال تأخير محدود بانتظار تطورات سياسية أو تفاوضية قصيرة الأجل".
قيود المكامن تفرض طبيعة التخفيضات
ويرى أن العامل الحاسم في كيفية تنفيذ التخفيضات لا يتعلق بالكميات فقط، بل بطبيعة المكامن نفسها. فإيران لا تستطيع تطبيق خفض موحد على كامل حقولها، نظراً لاعتماد إنتاجها بدرجة كبيرة على مكامن كربونية عملاقة وناضجة، مثل تكوينات "آسماري" و"بانكستان"، التي تعاني معدلات تراجع طبيعية مرتفعة قد تصل إلى 12% سنوياً في حال غياب دعم الضغط.
وتعتمد هذه المكامن على شبكات تشققات طبيعية منخفضة النفاذية، ما يجعل أداءها حساساً لأي اضطراب في الضغط أو إعادة الحقن بالغاز. وقد بلغ حجم إعادة حقن الغاز تاريخياً نحو 4.8 مليار قدم مكعبة يومياً، وأي خلل في هذا النظام يسرع التراجع ويخفض معدلات الاستخلاص النهائية.
لهذا السبب، تضع "NIOC" أولوية خاصة لثلاث فئات من الحقول: الحقول المشتركة مع دول الجوار مثل آزاديغان ويادافاران، حيث قد يؤدي الإغلاق إلى فقدان دائم للاحتياطيات؛ والحقول الحساسة للضغط ضمن مجموعة بانكستان؛ والحقول التي تعتمد على برامج نشطة لإعادة حقن الغاز. ونتيجة لذلك، تتركز التخفيضات المتوقعة على مجموعة أضيق من الأصول، خصوصاً الحقول البرية الجنوبية مثل الأهواز-آسماري، ومارون، وغشساران، وبيبي حكيمة، وهي حقول كبيرة لكنها شديدة النضج.
ينعكس هذا الانقسام الجيولوجي مباشرة على مزيج الصادرات. إذ تمثل إنتاجات بانكستان العمود الفقري لخام "إيران الثقيل"، في حين تتجه إنتاجات آسماري بشكل أساسي إلى خام "إيران الخفيف"، الذي يشكل عادة نحو 55% من الصادرات، مقابل 40% للخام الثقيل، والبقية لدرجات بحرية ومتخصصة. وعليه، فإن التخفيضات لن تقلص الكميات فحسب، بل قد تضعف القدرة الإنتاجية المستقبلية، علماً بأن متوسط معدلات الاستخلاص في إيران لا يتجاوز 25%.
آفاق مرتفعة التكاليف وتعاف غير مؤكد
تشير الصورة العامة إلى تخفيضات سريعة ومتزايدة في حال استمرار الحصار، وسط كلفة تشغيلية أعلى هيكلياً. فالتجربة السابقة دفعت "NIOC" إلى اعتماد سياسة الإغلاقات الدوارة للحفاظ على سلامة المكامن، إلا أن هذا النهج مكلف، ويتطلب تدخلات متواصلة في الآبار وإدارة ضغط معقدة. ويزيد ذلك العبء على مالية الشركة، في وقت تستنزف فيه الإيرادات النفطية عبر قنوات متعددة، مما يحد من الموارد المتاحة لأعمال الصيانة والتعافي.
كما أن إعادة تشغيل الآبار المغلقة، لا سيما في المكامن الكربونية الناضجة، عملية معقدة ومكلفة تقنياً، ما يعزز مخاطر تحول القرارات التشغيلية قصيرة الأجل إلى ارتفاع دائم في النفقات وانخفاض فعلي في الطاقة الإنتاجية على المدى الطويل.