بنوك وول ستريت ترفع حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوى منذ 2007

تمثل هذه الحيازات قرابة 2% من إجمالي سوق سندات الخزانة الأميركية

المصدر: الرياض - العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

سجلت حيازات بنوك وول ستريت من سندات الخزانة الأميركية قفزة لافتة، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، مدفوعة بتخفيف القيود التنظيمية في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو ما شجع البنوك الكبرى على العودة بقوة إلى سوق دين حكومي تبلغ قيمته نحو 31 تريليون دولار.

استناداً إلى بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ارتفع متوسط حيازات سندات الخزانة لدى المتعاملين الأساسيين – وهم البنوك الكبرى المكلفة بالاكتتاب في الديون السيادية الأميركية – إلى نحو 550 مليار دولار خلال العام الجاري، مقارنة بأقل من 400 مليار دولار في عام 2025، وفقاً لتقديرات لصحيفة "فاينانشال تايمز"، اطلعت عليها "العربية Business".

وتمثل هذه الحيازات قرابة 2% من إجمالي سوق سندات الخزانة الأميركية، وهي أعلى نسبة تسجل منذ عام 2007.

ويرى محللون ومستثمرون وتنفيذيون في القطاع المالي أن تخفيف قواعد رأس المال في الولايات المتحدة أعاد تشجيع البنوك الكبرى على لعب دور أكبر في تسهيل التداول في سوق السندات الحكومية، ما مكنها من استعادة جزء ولو محدود من النفوذ الذي فقدته بعد أزمة 2008، عندما تراجعت لصالح صناديق التحوط وشركات التداول المتخصصة.

وقال الرئيس العالمي للأبحاث في بنك "باركليز"، أجاي راجادهياكشا: "أصبحت البنوك اليوم وسيطاً أكبر في السوق، ليس فقط بسبب التغييرات التنظيمية، ولكن أيضاً بسبب تغير نظرتها الذهنية تجاه التنظيم".

تخفيف متطلبات رأس المال.. نقطة التحول

وكانت الجهات الرقابية الأميركية قد أقرت في أواخر العام الماضي تعديلات لتخفيف ما يعرف بنسبة الرفع المالي التكميلي المعزز (SLR)، وهي قاعدة تحدد حجم رأس المال غير المعدل بالمخاطر الذي يتعين على أكبر البنوك الأميركية الاحتفاظ به مقابل إجمالي أصولها.

وقد قادت هذا التوجه ميشيل بومان، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، في خطوة لاقت ترحيباً واسعاً من قيادات وول ستريت، الذين طالما جادلوا بأن القواعد الصارمة بعد أزمة 2008 دفعت البنوك إلى الابتعاد عن أداء دور صانع السوق في سندات الخزانة.

وكانت بومان، التي عينها الرئيس ترامب العام الماضي، قد شددت على أن اللوائح التنظيمية عقب الأزمة المالية جعلت البنوك أكثر أماناً، لكنها في الوقت نفسه قلصت أنشطة منخفضة المخاطر وساهمت في جعل سوق سندات الخزانة أكثر هشاشة.

تحول ملموس في سلوك البنوك

من جانبه، قال رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية في "بنك أوف أميركا"، مارك كابانا، إن السوق لم تكن تتوقع تأثيراً كبيراً لهذه التغييرات في البداية، مضيفاً: "كنا متشككين في أن يكون لهذه التعديلات أثر ملموس على شهية البنوك لحيازة سندات الخزانة".

لكنه أشار إلى أن البيانات الأخيرة تظهر بوضوح أن تخفيف قيود SLR كان له أثراً مباشراً، موضحاً: "لدينا أدلة على أن هذه القواعد أثرت فعلياً في حيازات المتعاملين من سندات الخزانة، والتي ارتفعت بشكل واضح خلال الأشهر الماضية".

وفي السياق نفسه، أفاد مورغان ستانلي هذا الشهر بأنه ضخ مزيداً من رأس المال في أنشطة تداول سندات الخزانة، مستفيداً من التعديلات التنظيمية.

من هيمنة البنوك إلى سوق متعددة اللاعبين

وقبل الأزمة المالية العالمية، كانت البنوك الكبرى هي الركيزة الأساسية لسوق سندات الخزانة الأميركية. إلا أن السنوات التي تلت 2008 شهدت تحولاً جذرياً، إذ توسع دور صناديق التحوط وشركات التداول المتخصصة بشكل كبير.

وكان لهذا التحول دور محوري في استيعاب الزيادة الكبيرة في إصدار الديون، في ظل التخفيضات الضريبية وبرامج الإنفاق الضخمة التي دفعت العجز الفيدرالي إلى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.

غير أن دخول هذه الكيانات الجديدة جلب معه مستويات غير مسبوقة من الرافعة المالية، ما زاد من احتمالات الاضطراب في أوقات التوتر الحاد بالأسواق. وقد اضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى التدخل خلال اضطرابات سوق سندات الخزانة في عام 2020، بعدما أدى تفكك سريع لإحدى استراتيجيات صناديق التحوط الشائعة إلى تفاقم حالة الذعر.

تحذيرات من الإفراط في التفاؤل

رغم هذا التحول، حذر خبراء من أن تخفيف القيود التنظيمية لا يضمن عودة دائمة للبنوك إلى لعب دورها التاريخي. وقالت يشا ياداف، أستاذة القانون في جامعة فاندربيلت والمتخصصة في تنظيم سوق سندات الخزانة: "نقوم الآن بالتراجع عن قواعد الميزانية العمومية، لكن لا يوجد أي ضمان بأن هذا النهج سينجح على المدى الطويل".

وذهب رئيس استراتيجية أسعار الفائدة العالمية في "جي بي مورغان"، جاي باري، إلى الاتجاه نفسه، مؤكداً أن: "المتعاملين الأساسيين لن يعودوا للعب الدور الذي كانوا يؤدونه قبل عام 2008. طبيعة التداول تغيرت جذرياً".

وأضاف: "رغم عودة دور الوساطة وصناعة السوق تدريجياً، فإن بنية السوق تغيرت، وأصبحت صناديق التحوط ومتداولو التردد العالي يشكلون جزءاً أكبر منها، وهذا واقع لن يتغير".

جزء من موجة تحرير تنظيمي أوسع

ويأتي إصلاح SLR ضمن حملة أوسع لتخفيف القيود التنظيمية في الولايات المتحدة، ساهمت في تعزيز أرباح البنوك الكبرى، وكانت من العوامل الدافعة وراء موجة قياسية من إعادة شراء الأسهم خلال الربع الأول من العام الجاري.

وفي الشهر الماضي، قدمت الجهات الرقابية مقترحات جديدة لخفض متطلبات رأس المال على أكبر البنوك الأميركية. وقالت بومان، في خطاب حول هذه الخطط، إن قواعد بازل 3 النهائية ستؤدي إلى زيادة طفيفة في متطلبات رأس المال، لكن تعديل طريقة احتساب مصدات رأس المال الإضافية للبنوك الكبرى كفيل بتعويض هذه الزيادة بالكامل.

وأظهرت أبحاث صادرة عن "Coalition Greenwich" أن أكبر ستة بنوك أميركية ذات أهمية نظامية كانت، حتى نهاية 2025، تحتفظ بمستويات رأس مال تفوق المتطلبات التنظيمية بنحو 2.4% في المتوسط، تحسباً لتطبيق قواعد بازل الجديدة.

وقالت مينال تشوتاي، الرئيسة العالمية لتحليلات التكاليف ورأس المال في Coalition، إن التعديلات التنظيمية الأخيرة تعني أن: "المنطق الذي كان يبرر الاحتفاظ بهذه المصدات الرأسمالية الضخمة قد تلاشى".

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط