حرب إيران تكشف تصدعات في الاقتصاد الصيني مع ارتفاع كلفة الطاقة وتباطؤ الطلب

احتجاجات عمالية في المدينة التي تنتج ثلث ألعاب العالم

المصدر: الرياض - العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

بدأت تداعيات الحرب في إيران تلقي بثقلها على الاقتصاد الصيني، مع تصاعد أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما زاد من الضغوط على إنفاق المستهلكين الذي يعاني أصلاً من ضعف، وأصاب قطاعات تصديرية حيوية في قلب النمو الصناعي للبلاد.

ففي مارس، تراجعت مبيعات السيارات، قبل أن تسجل هبوطاً أكثر حدة في أبريل. كما تشهد المطاعم والفنادق انخفاضاً في أعداد الزبائن مع ازدياد حذر الأسر تجاه الإنفاق. وفي جنوب الصين، خرج آلاف العمال في مصانع ألعاب الأطفال في احتجاجات الأسبوع الماضي، بعدما انهارت شركاتهم تحت وطأة ارتفاع أسعار البلاستيك واستمرار الرسوم الجمركية الأميركية، بحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، واطلعت عليه "العربية Business".

تعكس هذه المؤشرات أن الصين، رغم امتلاكها احتياطيات استراتيجية ضخمة من النفط والغاز واستثمارات هائلة في الطاقة المتجددة، ليست بمنأى عن الضغوط التي تضرب اقتصادات العالم نتيجة الحرب.

وخلال الأسابيع الأولى من الصراع، بدت الصين قادرة على امتصاص الصدمة، مدعومة ببيانات اقتصادية بدت متماسكة حتى نهاية مارس. لكن مع دخول الحرب أسبوعها التاسع دون أفق واضح للنهاية، بدأت شقوق الضعف تظهر بشكل متزايد.

قالت كبيرة اقتصاديي آسيا والمحيط الهادئ في مجموعة "ناتيكسيس" الفرنسية، أليشيا غارسيا هيريرو: "الاقتصاد يتباطأ"، محذرة من أن الصين قد تواجه صعوبة في تحقيق مستهدف النمو لهذا العام عند 4.5% أو أكثر.

السيارات.. أول جرس إنذار

تعد صناعة السيارات من أوضح مؤشرات الوهن الاقتصادي الناشئ. فالسيارة هي ثاني أكبر مشتريات الأسر الصينية بعد السكن، كما تقود الطلب على الصلب والزجاج وسلاسل توريد واسعة.

وبحسب "جمعية سيارات الركاب في الصين"، هوت مبيعات التجزئة للسيارات بنسبة 26% خلال أول 19 يوماً من أبريل مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ورغم أن جزءاً من التراجع يعود لانتهاء الحوافز الضريبية للسيارات الكهربائية في ديسمبر، فإن السيارات العاملة بالبنزين سجلت أداءً أسوأ مع انخفاض يقترب من 40%.

ترك التراجع ساحات الوكلاء مكتظة بالمخزون غير المباع، ما دفع الشركات إلى خفض الإنتاج. فقد تراجع إنتاج المصانع الصينية بنحو 27% خلال أول أسبوعين من أبريل مقارنة بالعام الماضي، في انكماش حاد رغم استمرار نمو الصادرات.

أرقام قوية.. لكن بقاعدة هشة

على السطح، لا يزال الاقتصاد يبدو متماسكاً. فقد أعلنت بكين هذا الشهر أن الاقتصاد حقق نمواً سنوياً بمعدل 5.3% خلال الربع الأول من العام. غير أن معظم هذا الزخم تحقق في يناير وفبراير.

وفي مارس، تباطأت مبيعات التجزئة لترتفع بنسبة 1.7% فقط على أساس سنوي. كما أشار "الاتحاد الصيني للخدمات اللوجستية والمشتريات" إلى استمرار تراكم المخزونات غير المباعة، وهو ما قد يضغط على وتيرة النمو في الأشهر المقبلة، بحسب الخبير الاقتصادي المقيم في بكين، مايكل بيتيس.

وأظهرت بيانات أرباح القطاع الصناعي استمرار القوة حتى مارس، ما قد يشكل وسادة مؤقتة أمام التباطؤ. إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الأرباح جاء من شركات الكيماويات والطاقة التي استفادت من مكاسب استثنائية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، بعد أن خزنت الإمدادات بأسعار منخفضة قبل اندلاع الحرب.

حماية نسبية من صدمة الطاقة

تتمتع الصين بمزايا نسبية مقارنة بجيرانها الآسيويين، بفضل احتياطياتها الاستراتيجية من النفط وقدراتها التكريرية الضخمة. كما عمدت الحكومة إلى حماية المستهلكين من القفزات الحادة في أسعار الوقود، عبر السماح لشركات النفط المملوكة للدولة بتمرير نصف الزيادة فقط في أسعار النفط.

لكن الصورة تبدو أكثر قتامة في قطاع الألعاب.

أزمة في مصانع الألعاب

في مدينة يولين جنوب البلاد، خرج آلاف العمال إلى الشوارع مطالبين بأجور متأخرة وتعويضات، بعد إغلاق عدة مصانع ألعاب أبوابها بشكل مفاجئ في 20 أبريل. وجاءت هذه الإغلاقات مع ارتفاع حاد في أسعار البلاستيك – المصنوع من النفط والغاز – عقب تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يربط الخليج بمستوردي الطاقة عالمياً.

وكان قطاع الألعاب الصيني يعاني مسبقاً من ارتفاع التكاليف والمنافسة الخارجية، إلى جانب الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتقع المصانع المغلقة في يولين، وهي مركز منخفض الأجور لصناعة الألعاب، على بعد نحو 260 ميلاً غرب هونغ كونغ. ورفع المحتجون لافتات على بوابات المصانع كتب عليها: "أعيدوا لنا عرقنا ودمنا". وتظهر مقاطع مصورة متداولة على الإنترنت وقفات احتجاجية هادئة بحضور الشرطة.

ورغم أن الاحتجاجات العمالية عادة ما تخضع للرقابة، فإن هذه المقاطع بقيت متاحة على الأرجح بسبب طابعها السلمي، ولأن بكين دعت الشركات صراحة إلى الإيفاء بالتزاماتها تجاه العمال.

في الوقت نفسه، باتت أسعار البلاستيك تمثل أزمة متفاقمة لقطاع الألعاب بأكمله، بما في ذلك مدينة شانتو، التي تنتج نحو ثلث ألعاب العالم، حيث حذرت جمعيتها الصناعية بعد عشرة أيام فقط من اندلاع الحرب، في 28 فبراير، من "الاكتناز والهلع" مع القفزات الحادة في الأسعار.

وبينما تواصل الصين الاعتماد على احتياطياتها وقدراتها الصناعية لاحتواء الصدمة، تشير هذه التطورات إلى أن الحرب في إيران لم تعد حدثاً بعيداً عن الاقتصاد الصيني، بل عاملاً ضاغطاً بدأ يترك بصماته الواضحة على النمو، والصناعة، وسوق العمل.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط