جاءت التصريحات المنسوبة لمجتبى خامنئي حول "إدارة مضيق هرمز" متزامنة مع ما يُعرف في إيران ب"يوم الخليج الفارسي"، وهو توقيت يصعب فصله عن محاولة واعية لاستثارة المشاعر القومية في الظروف الحالية، أي "اللا حرب ولا سلام". فاختيار هذا العنوان تحديداً لا يهدف فقط إلى تثبيت رواية جغرافية-تاريخية إيرانية، بل إلى تعبئة داخلية في لحظة يتزايد فيها الضغط على النظام من الخارج والداخل.
هذا السلوك ليس استثناءً في تجارب الأنظمة الأيديولوجية، فعندما تتآكل قدرة الشعارات الكبرى على الحشد، يجري اللجوء إلى القومية بوصفها ملاذاً تعبوياً بديلاً. ويمكن استحضار تجربة جوزيف ستالين خلال حصار لينينغراد، حين تراجع الخطاب الاشتراكي لمصلحة استدعاء "أمجاد روسيا" لحشد المجتمع في مواجهة الخطر الوجودي.
في الحالة الإيرانية، يعكس توظيف "الخليج الفارسي" إدراكاً متزايداً بأن خطاب الثورة والإسلام السياسي فقد جزءً معتبراً من جاذبيته داخل الشارع، خصوصاً مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتنامي الشعور بأن السياسات الإقليمية تُحمِّل الداخل كلفة عالية. من هنا تبدو العودة إلى القومية محاولة لإعادة ترميم الشرعية عبر هوية أوسع وأقل إثارة للانقسام الداخلي.
ضمن هذا الإطار، تأتي الإشارة إلى "إدارة مضيق هرمز" بوصفها أكثر من مجرد طرح تقني. فهي تعكس انتقالاً من التلويح بالإغلاق كأداة ردع، إلى طرح تصور لإعادة تنظيم أمن الممر ذاته. بهذا المعنى، يتحول المضيق من ورقة ضغط ظرفية إلى منصة لطرح مشروع أوسع يتعلق بإعادة هندسة النظام الأمني في الخليج.
الرسالة هنا مزدوجة: داخلياً، إبراز القدرة على التحكم بأحد أهم شرايين الطاقة العالمية بما يعزز الشعور بالقوة الوطنية. وخارجياً، محاولة إعادة صياغة سؤال الشرعية: من يملك حق إدارة أمن المضيق؟ عبر تقديم إيران نفسها كفاعل مؤهل لقيادة أو المشاركة في ترتيبات إقليمية بديلة.
كما أن إدخال البعد الاقتصادي والحديث عن "منافع مشتركة" لدول الخليج يشير إلى محاولة تغليف المشروع بلغة التعاون والاستقرار، بما يخفف من صورته الصدامية. إلا أن هذا الطرح، رغم لغته الناعمة، ينطوي على افتراض ضمني بأن ميزان القوة يمنح طهران موقعاً متقدماً في أي ترتيبات مستقبلية.
غير أن هذا التصور يصطدم بجدار من القيود الواقعية. فالولايات المتحدة وشبكة تحالفاتها البحرية والأمنية في الخليج لن تنظر إلى "إدارة" إيرانية للمضيق كخيار مقبول، لما يمثله ذلك من مساس مباشر بحرية الملاحة وأمن إمدادات الطاقة العالمي. كما أن البنية الأمنية القائمة، بما فيها الوجود العسكري الدولي، جاءت أساساً لضمان بقاء هذا الممر خارج هيمنة طرف واحد.
إقليمياً، تبدو المعضلة أكثر تعقيداً. فمستوى الثقة بين إيران وعدد كبير من الدول العربية تراجع بشكل عميق خلال السنوات الماضية، بفعل تداخل الأدوار العسكرية والوكيلة في أكثر من ساحة. وفي ضوء ما شهدته المنطقة من مواجهات وتصعيدات، من الصعب تصور قبول عربي- خليجي سريع بترتيبات أمنية تُمنح فيها طهران دوراً قيادياً في مضيق بهذا الحجم من الحساسية. فالثقة، وهي شرط أي منظومة أمن جماعي، تعرضت لتآكل واضح، ما يجعل أي طرح إيراني من هذا النوع يُقابل بقدر كبير من الحذر، إن لم يكن الرفض.
بناءً على ذلك، تبدو تصريحات مجتبى خامنئي أقرب إلى محاولة لتأسيس خطاب تفاوضي جديد، أكثر من كونها إعلاناً عن ترتيبات قابلة للتحقق في المدى القريب. فهي تجمع بين توظيف القومية لاستعادة الزخم الداخلي، وطرح رؤية لإعادة توزيع النفوذ إقليمياً، مع إدراك ضمني بأن الطريق إلى تحويل هذا الطرح إلى واقع ما يزال مليئاً بالعوائق.
في المحصلة، يتجاوز مغزى هذه التصريحات حدود مضيق هرمز نفسه. إنها تعكس محاولة إيرانية لإعادة طرح السؤال المركزي في الخليج: من يدير أمن المنطقة في المرحلة المقبلة؟
لكن الإجابة، في ظل موازين القوى الحالية وحضور الولايات المتحدة عسكرياً وخطوتها الأخيرة، أي محاصرة المحاصر، وفجوة الثقة الإقليمية خاصة بين الدول العربية وإيران بعد استهدافها دول الخليج بالصواريخ والمسيرات، لا تبدو قريبة من التصور الذي تطرحه طهران بل بعيدة كل البعد وغير واقعية.