الأصل في نشأة جماعة الإخوان أنها كيانية غير طبيعية ومولود ينتهج "الحوكمة الحمقاء"، التي تنتهي بتدمير المصلحة العامة بعدما تكون قد بدأت بحالة من التشبث برأي مصطنع، وما بينهما تأتي صناعة بنية مجتمعية ترتكز على الانقسام وليس الاختلاف، وما بين هذا وذاك فوارق كبيرة تبدأ بالتبعية للفرد، والسادية للمسؤولين عن المفاصل الأساسية للجماعة، ثم الجماعة الملحقة بهم والتي تتشكل بمثابة حالة من الانشطار والتباعد عن المجتمع، وانقسام حاد معه يصل حد السيف إذا ما بلغت الجماعة من القوة بما يؤهلها لذلك. ما يعني وقوف المجتمع على نقيضين مختلفين لا يلتقيان لأن أحدهما استند على الفكرة وآخرين استندوا على تراثهم ومصالحهم والتي تصبح في نظر أتباع الجماعة هي الإفك بعينه.
لهذا يبقى الاتفاق مع أي جماعة إخوانية "ضعيفة البنية" هو أمر ممكن حتى تبلغ مكانة تستند فيها على جيلها أو خارج بيئتها، لأن ما بُني على خلاف مع الأصل لا يهمه طبيعة التحالف حتى لو كان عدو الأمة، خصوصاً أن البنية الأساسية الجاذبة لعنصر الإخوان هي خلافية المنشأ، شكلية الغطاء الديني من حيث الصورة، على شاكلة ما يقوم عادة على كتف الأديان من منهج طفيلي يبحث عن أبويه للاستمرار في العيش ولتبرير الوجود، ويرجع ذلك لعجز في صميمية الفكرة الوليدة، التي لا تستطيع الاستمرار إذا ما عرضت نفسها خارج إطار الدين.
ولذلك لو كان لنا أن نعزل أفكار الإخوان عن غلافها الديني الظاهر فنحن أمام حالة سياسية متضاربة تعبر عن تطلعات وهمية غير واقعية، ولو أردنا أن ندخل في أصل الفكرة الدينية لوجدنا فيها اختلافاً كبيراً، بين مسألة دعوية وغير دعوية وهو ما هو نتاج التبعية، وبين تبعية وتبعية ثمة فارق، فاتباع منهج دعوي يستند الى الأصول الإسلامية، وبين اتباع منهج غير دعوي يستند الى عالم الرأي الذي أنتجه الإخوان والذي هو خليط يعمل على تفسير المشهد بمعزل عن النص، لكنه إذا أراد النص حاول تطويعه عبر إقحامه بشكل تبريري، ما يذكرنا بما يعرضه مؤسس الجماعة، فهو يعرض رأيه منفصلاً ثم يضيف عقب ذلك كتابة آية قرآنية ليبدو للقارئ أن ما يقوله صاحب الكتاب هو شرح لمعنى الآية الكريمة، وبهذا تماماً تجد أتباع الجماعة يدخلون في استيعاب وتقمص منهجية ليست صحيحة، لكنها مفتعلة تؤثر بهم ويصعب عليهم الخروج منها بسهولة ما لم يمتلك الفرد فيهم القدرة على المقاربة بين الأصل وبين ما تم استيداعه في عقولهم، من خلال منهج الأبوية والذي يتيح حالة من السيطرة المطلقة على الفرد، بحيث لا يفقد استقلاله على المستوى الفكري فقط ولكن حتى المجتمعي والجانب العملي في الحياة، وهو من غرائب ما طالب فيه حسن البنا عندما أراد ان يكون الجميع في الجماعة على فكرة واحدة حتى في القضايا العملية، بمعنى أن يكون الجميع على قلب رجل واحد وفكرة واحدة هي فكرة نشأت منذ البدء تعتمد الحوكمة الحمقاء، ما يعني أن كل من يختلف معهم، سيكونون هم في مكان الانقسام بمعزل عنه.
الإشكالية هنا أن انتماء الأفراد للجماعة يتطلب معايير خاصة، تبدأ فيه الجماعة بعزلهم على مستوى الفكرة، والأصل في الفكرة يأتي عبر غرس فكرة "الإسلام الثوري" كبديل، وهي متلازمة متوفرة في مساحات الاخوان الإعلامية، إذ يعتبرون أن الدعاة الذين يمارسون نشاط الدعوة الإسلام كما نزلت هم دعاة سلاطين، بينما يصفون أنفسهم أنهم بحالة مختلفة، من خلال الإسلام الذي رسمه مؤسس الجماعة في رسالته المعروفة برسالة الشباب وتناول فيها (الإيمان والإخلاص، الحماسة) بمعنى أن الصياغة النظرية لفكرة الاخوان هي مكون ناري وليست مكون دعوي، إلى أن يصل في خلاصة الفكرة نحو بنية حزبية تتجاوز الجانب الدعوي نحو تصور يحمل أبعاداً يراها هو عالمية خاصة بمنهجه، لكنه لا يرتكز بذلك على فكرة التعريف بالإسلام بقدر ما يذهب الى فكرة الهيمنة والتي طرحها بوضوح في رسائله، معتبراً أن فكرة القوة سوف تتجاوز الهيمنة على الواقع المحلي نحو فرض هيمنة عالمية عبر الدين، وهذا منافي للأصل الذي جاءت به الدعوة الإسلامية، غير أن الخطاب الذي يخص به الشباب له مؤشرات مهمة، فهو وعموم الجماعة ينتقلون بالشباب نحو الإسلام الثوري، والأصل في هذه الفكرة أنها إقصائية مهلكة تبدأ بفصل الفرد عن محيطه الاجتماعي ثم تنقله نحو العداء لبيئته، ثم توهمه أنه قادر على تغيير الكون كله، وهي بالضبط النشأة التي تشكلت فيها فيما بعد كامل الجماعات الإرهابية والتي ظهرت أصلاً وتكونت داخل رحم الإخوان.