لمئات الآلاف من السنين، كانت الطبيعة هي من تحدد مسار التطور البشري، لكن يبدو أن هذه القواعد القديمة بدأت تتغير جذريا.
وبحسب دراسات حديثة، فإن الإنسان يشهد تحولا كبيرا في مساره التطوري، حيث لم تعد البيئة والأمراض وحدها القوى الرئيسية التي تشكل مستقبل البشر.
وأصبحت الحلول التي يطورها البشر لمواجهة التحديات اليومية قادرة على معالجة المشكلات البيولوجية بوتيرة أسرع بكثير من قدرة التطور الوراثي على مواكبتها، وباتت الثقافة والتكنولوجيا والطب عوامل أكثر تأثيرا، في تغيير يؤكد بعض العلماء أنه يحدث "أمام أعيننا".
وكان التطور البشري محكوما بالضغوط البيئية والانتقاء الطبيعي، لكن علماء يعتقدون أن البشرية قد تكون دخلت مرحلة جديدة، تلعب فيها الثقافة والتكنولوجيا والطب دورا أكبر من الجينات في تشكيل مستقبل الإنسان، ما قد يمثل تحولا كبيرا في مسار التطور البشري، وفق دراسة نشرتها دورية "بيوساينس".
ويقول تيم وارينغ، الباحث في التطور الثقافي بجامعة مين الأميركية، إن "التطور البشري يبدو وكأنه يغير اتجاهه"، مشيرا إلى أن انتقال المعرفة والمهارات والتقنيات بين البشر بات يؤدي دورا تكيفيا يفوق سرعة التغيرات الجينية.
من الجينات إلى الثقافة
تاريخيا، اعتمد التطور البشري التقليدي على انتقال الصفات الوراثية عبر أجيال متعاقبة تحت تأثير البيئة.
لكن في الوقت الحالي، يرى الباحثون أن الثقافة الإنسانية باتت توفر حلولا أسرع للمشكلات التي واجهها الإنسان عبر التاريخ.
ويضرب العلماء مثالا بالعمليات القيصرية، التي أتاحت إنقاذ أمهات وأطفال كانوا قد لا ينجون في ظروف الماضي.
ويشير العلماء كذلك إلى التقدم الطبي الذي وفر علاجات لأمراض فتاكة تركت آثارا وراثية ما زالت تظهر لدى أحفاد الناجين منها، مثل الطاعون.
التحول بدأ بالفعل
وفقا لدراسة تم نشرها في سبتمبر (أيلول) 2025 بدورية "بيوساينس"، طور الباحثون نموذجا يقيس سرعة التحول من التأثير "الجيني إلى الثقافي".
وأظهرت النتائج أن هذا الانتقال قد يكون بدأ بالفعل، بل وربما يتسارع.
ويطرح وارينغ سؤالا لافتا: "ما الذي يحدد حياة الإنسان اليوم بصورة أكبر: الجينات التي يولد بها أم المجتمع الذي يعيش فيه؟".
وأوضح أن رفاهية الأفراد أصبحت تعتمد بشكل متزايد على البيئة الثقافية والتكنولوجية المحيطة بهم.
هل يتراجع تأثير الانتقاء الطبيعي؟
لكن بعض الباحثين يحذرون من أن نجاح الإنسان في تقليل ضغوط الانتقاء الطبيعي قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تغيير آليات التطور نفسها.
وفي دراسة حديثة، أكد فريق دولي من العلماء أن اعتماد البشر المتزايد على الطب والتكنولوجيا ربما أضعف تأثير الانتقاء الطبيعي، ما قد يفرض مستقبلا الحاجة إلى مزيد من التدخلات الطبية والتكنولوجية للحفاظ على صحة الإنسان وقدراته.
مستقبل الإنسان
بحسب الدراسات، فقد يتحدد مستقبل الإنسان بقدرة المجتمعات على التكيف والتعاون، بقدر ما يتحدد بجيناته.
وبينما لا يزال التطور البيولوجي مستمرا، يبدو أن الإنسان أصبح، للمرة الأولى في تاريخه، شريكا فاعلا في تشكيل مساره التطوري، في تحول قد يحدث بالفعل "أمام أعيننا".