يمهد اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران لعودة طهران إلى بيع النفط الخام والوقود، بما في ذلك الديزل، في الأسواق العالمية للمرة الأولى منذ عام 2018، مع تعليق العقوبات التي كانت تحول دون تصدير النفط وتقديم الخدمات المالية والنقل والتأمين اللازمة لإتمام الصفقات.
ورغم توقيع الاتفاق من قبل الرئيس الأميركي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، فإن تنفيذه لا يزال يواجه حالة من عدم اليقين، في ظل استمرار التوترات الإقليمية، بعدما دفعت الاشتباكات بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان إيران إلى تأجيل المحادثات المقررة، قبل أن تعلن مجدداً إغلاق مضيق هرمز، مع استمرار التحضيرات لإجراء محادثات فنية بين الجانبين.
وأكد الجيش الأميركي رفع الحصار الذي استمر شهرين وأدى إلى تراجع تحميلات النفط الإيرانية إلى نحو 260 ألف برميل يومياً في مايو/ أيار، وفق بيانات شركة "كبلر"، مقارنة بنحو 1.85 مليون برميل يومياً خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل/ نيسان.
وتواجه إيران تحديات كبيرة لإعادة بناء قطاعها النفطي، بعدما تعرضت أجزاء من بنيته التحتية لأضرار. وقبل رفع العقوبات بموجب الاتفاق النووي السابق، كانت إيران خامس أكبر منتج للنفط في العالم، بإنتاج بلغ نحو 4 ملايين برميل يومياً في عام 2016، مقارنة بذروة تجاوزت 6 ملايين برميل يومياً في سبعينيات القرن الماضي.
وتسببت العقوبات المفروضة منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب هجرة الكفاءات، في تراجع طويل الأمد للإنتاج النفطي الإيراني، ولم يستعد القطاع كامل طاقته منذ ذلك الحين.
مؤشرات أولية لعودة الصادرات
بدأت مؤشرات استئناف الصادرات بالظهور، بعدما عبرت ثلاث ناقلات مرتبطة بإيران، تحمل نحو 5 ملايين برميل من النفط، مضيق هرمز متجهة إلى جنوب شرق آسيا، وفق بيانات شركة "Vortexa" المتخصصة في تتبع حركة السفن.
كما أبرمت طهران صفقة لبيع 10 ملايين برميل من النفط إلى الصين، بما يعادل حمولة خمس ناقلات نفط عملاقة، في خطوة وصفها اتحاد مصدري النفط الإيراني بأنها بداية لإعادة بناء تدفقات الصادرات.
ومن المتوقع، خلال الأسابيع المقبلة، أن تبدأ إيران تحميل الناقلات بالنفط المخزن في جزيرة خارك، مركز التصدير الرئيسي، التي تضم أكثر من 30 مليون برميل في خزاناتها.
تحديات قصيرة الأجل
ورغم رفع القيود، فإن زيادة الإنتاج والصادرات ستظل مرهونة بتصريف المخزونات الحالية أولاً، إذ تشير بيانات "كبلر" إلى أن السعة التخزينية البرية المتاحة انخفضت إلى 13.5 مليون برميل فقط، بما يعادل نحو أسبوع واحد من الطاقة الإنتاجية المعتادة.
كما يبرز نقص ناقلات النفط العملاقة من فئة "VLCC"، القادرة على نقل نحو مليوني برميل في الرحلة الواحدة، كأحد أبرز التحديات، بعدما جرى تحويل عدد كبير منها إلى ساحل الخليج الأميركي لخدمة صادرات النفط الأميركية، وهو ما قد يستغرق أسابيع قبل عودتها إلى الخليج.
وبموجب الاتفاق، تمتلك إيران مهلة 30 يوماً لإزالة الألغام التي زرعتها في مضيق هرمز، فيما يرى خبراء أن استئناف الملاحة بصورة كاملة سيظل رهناً بثقة ملاك السفن وشركات الشحن في استقرار الأوضاع الأمنية.
تعافٍ تدريجي حتى نهاية العام
يتوقع محللون أن يستغرق تعافي إنتاج وصادرات النفط في إيران وبقية دول المنطقة حتى نهاية العام، وربما يمتد إلى مطلع عام 2027، قبل العودة إلى مستويات قريبة من الوضع الطبيعي.
وانخفض إنتاج إيران إلى 2.3 مليون برميل يومياً في مايو/ أيار، مقارنة مع 3.2 مليون برميل يومياً قبل الحرب.
وتراجعت كذلك إمدادات الإمارات والعراق بنسبة 38% و52% على التوالي، وفق بيانات "منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)"، في ظل اضطرار المنتجين إلى إغلاق عدد كبير من الآبار نتيجة امتلاء مرافق التخزين وصعوبة تصدير الخام.
ويرى محللون أن استعادة ما بين 80% و90% من مستويات الإنتاج خلال الأشهر المقبلة ستوفر الإيرادات اللازمة لإصلاح الآبار والمنشآت النفطية المتضررة، بما يمهد لعودة معظم الطاقة الإنتاجية قبل نهاية العام.