الذكاء الاصطناعي والطب.. من الأبحاث إلى واقع سريري

المصدر: الرياض- العربية.نت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ازدادت الأسئلة عن إمكانية تسخير قدرات الذكاء الاصطناعي في المجالات الحساسة، وتحديداً الطب. ولكن وسط الحماس الواسع والمحيط بالذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبئية والتشخيص الرقمي، تواجه الأنظمة الصحية تحديًا عمليًا متزايدًا: "كيف ندمج أدوات الذكاء الاصطناعي مع الرعاية السريرية الفعلية، بطرق تُحسّن نتائج المرضى والأطباء بشكل حقيقي؟".

وللإجابة عن هذا السؤال، ساهمت شراكة استراتيجية بين هيوستن ميثوديست وجامعة رايس في تأسيس معهد هيوستن ميثوديست وجامعة رايس للصحة الرقمية (Digital Health Institute (DHI عام 2024، ليس فقط لتطوير تقنيات جديدة، بل لتسريع وتيرة التحقق من صحة الابتكارات الواعدة، وتطبيقها، وتوسيع نطاقها في بيئات الرعاية الصحية الواقعية.

ويجمع المعهد بين خبرات هيوستن ميثوديست السريرية والتطبيقية، ونقاط قوة جامعة رايس في الهندسة، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الحاسوب، وتطوير الأجهزة. ويصف قادة المؤسستين هذه الجهود بأنها نهج مختلف جذريًا للابتكار في مجال الصحة الرقمية، تهدف إلى تقليص المسافة بين الابتكار والتطبيق السريري.

وبينما تواصل العديد من المنظمات استكشاف الإمكانيات النظرية للذكاء الاصطناعي في الطب، يركّز أعضاء هيئة التدريس والباحثون في معهد هيوستن ميثوديست وجامعة رايس للصحة الرقمية بشكل كبير على الجوانب العملية لتطبيق هذه التقنيات في البيئات السريرية.

مختبر واقعي للصحة الرقمية

وعلى عكس العديد من الشراكات التقنية الأكاديمية التي تركز بشكل أساسي على أبحاث الاكتشاف في مراحلها المبكرة، تم تصميم معهد هيوستن ميثوديست وجامعة رايس للصحة الرقمية عمدًا ليكون بمثابة "مختبر حي "للابتكار الصحي الرقمي". ويعمل الباحثون والأطباء جنبًا إلى جنب مع المهندسين وعلماء الحوسبة وخبراء البيانات، لاختبار التقنيات ضمن سير العمل السريري الفعلي، مما يسمح بتحسين أدوات الرعاية الصحية، بناءً على التحديات التشغيلية الحقيقية واحتياجات رعاية المرضى.

الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)
الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)

ويركز المعهد على عدة مجالات رئيسية، منها التشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار القابلة للارتداء، والروبوتات، ومراقبة المرضى عن بُعد، وعلم الأحياء الحاسوبي، والذكاء المحيطي، والتحليلات التنبؤية.

ويوضح الدكتور خرام ناصر، المدير المشارك للمعهد وأخصائي أمراض القلب في مستشفى هيوستن ميثوديست أن تعزيز قدرة الأطباء على التنبؤ بالمخاطر، يعد أمرًا أساسيًا في ممارستهم السريرية، موضحا أنه حتى التحسينات الطفيفة في التنبؤ يمكن أن تغير الممارسة. ويقول: "بما أن أمراض القلب هي السبب الرئيسي للوفاة، فإن ذلك يترجم إلى رعاية أفضل لآلاف أو حتى ملايين الأشخاص".

ومن الأفكار المحورية للمعهد، هي أن ينتقل الطب في المستقبل من الرعاية العرضية القائمة على رد الفعل والأعراض إلى الإدارة الصحية الاستباقية والمستمرة لتحقيق قفزة نوعية في نتائج المرضى. ويشرح د. خرام: "بدلاً من الاعتماد على زيارات متقطعة للعيادة أو الإبلاغ المتأخر عن الأعراض، يتصور باحثو المعهد أنظمة تراقب البيانات الفسيولوجية باستمرار، وتحدد العلامات التحذيرية الدقيقة قبل تدهور الحالة السريرية، مما يتيح التدخل المبكر".

الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)
الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)

التركيز على التطبيق

ويعد التركيز على التطبيق وتوسيع دائرة نشر التقنيات والابتكارات المستحدثة، من أبرز سمات ومهام المعهد. فالعديد من تقنيات الصحة الرقمية الواعدة تفشل، ليس لضعف الأسس العلمية التي تقوم عليها، بل لعدم نجاح دمجها في البيئات والعمليات السريرية. وأكد قادة هيوستن ميثوديست مرارًا وتكرارًا أن المعهد صُمّم خصيصًا لتجاوز هذه العقبة، من خلال دمج الابتكار مباشرة في بيئات تقديم الرعاية الصحية.

وتستند هذه الاستراتيجية إلى استثمارات هيوستن ميثوديست الواسعة في البنية التحتية الرقمية، وتكامل الذكاء الاصطناعي على مدى السنوات الماضية. وقد طوّرت هيوستن ميثوديست نظامًا بيئيًا متكاملًا للبيانات والذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة قبل جائحة كوفيد-19، مما ساهم في إنشاء بيئات بحثية تعاونية تضم الآن أكثر من 25 تيرابايت من البيانات الصحية غير المُعرّفة.

ويضم المعهد أيضًا بنية تحتية تهدف إلى تسريع الترجمة السريرية، بما في ذلك فرص الاختبار التجريبي، ودعم التسويق، والتعاون مع الشركات الناشئة والشركاء في القطاع. وتلعب جامعة رايس دورا محوريًا، من خبرتها في مجالات التعلم الآلي، والنمذجة الحاسوبية، والهندسة الحيوية، وتكنولوجيا الاستشعار التي تتيح للباحثين إمكانية تطوير نماذج أولية سريعة وتحسين التقنيات، ليتم تقييمها لاحقًا ضمن النظام السريري لمستشفى هيوستن ميثوديست.

الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)
الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)

ويؤكد القيمون على المعهد أن هذه الشراكة تخلق حلقة تطبيقية محكمة تسمح بترجمة الأبحاث إلى تقنيات تطبيقية، واختبارها في بيئة سريرية واقعية وتسجيل نتائج اختبارها وتغذيته للباحثين في المعهد وتقييمها كما يستوجب الأمر. الأمر الذي غالبًا ما تفتقر إليها الأوساط الأكاديمية الطبية، حيث يساهم الأطباء في صياغة التقنيات منذ مراحلها الأولى، بدلًا من محاولة تطبيقها عمليًا بعد اكتمال تطويرها.

الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)
الذكاء الاصطناعي والطب (تعبيرية)

تخفيف العبء على الأطباء

ومن المواضيع الرئيسية التي يبحث فيها المعهد، سير العمل للأطباء والإرهاق التي قد يسببه الجدول المزدحم. فمع تزايد متطلبات التوثيق، ونقص الكوادر المهنية، وتعقيد العمليات التشغيلية في الأنظمة الصحية، يؤكد قادة المعهد أن القيمة الأكبر للذكاء الاصطناعي على المدى القريب لا تكمن في استبدال الأطباء، بل في تخفيف أعبائهم الإدارية وتحسين كفاءتهم السريرية.

وساهمت مشاريع متخصصة من معهد الصحة الرقمية في استكشاف تقنيات مصممة لأتمتة أجزاء من التوثيق السريري، وتحسين عملية اتخاذ القرارات التشغيلية، وتبسيط التواصل مع المرضى. وتركز مبادرات أخرى للمعهد على الذكاء المحيطي وأنظمة التعلم الآلي، التي قد تُمكّن الأطباء في نهاية المطاف من تخصيص وقت أطول للرعاية المباشرة للمرضى، ووقت أقل للتعامل مع الأنظمة الإلكترونية.

ويُميّز إطار هذا البحث الذي يركز على الطبيب، جزءًا كبيرًا من عمل المعهد لإثراء النقاشات العامة والأوسع نطاقًا حول الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المجال الطبي. فبدلاً من تصوير الذكاء الاصطناعي كبديل للأطباء، يُقدّم قادة مستشفى هيوستن ميثوديست وجامعة رايس الأدوات الرقمية على أنها مُكمّلة، أي تقنيات قادرة على تعزيز عملية اتخاذ القرارات الطبية، مع الحفاظ على العنصر البشري في الطب، وتحسين المخرجات السريرية والرعاية الصحية.

منظومة ابتكار موسعة

يعكس معهد هيوستن ميثوديست وجامعة رايس للصحة الرقمية سمعة المؤسستين في مجال الابتكار التطبيقي. فخلال السنوات القليلة الماضية، وسّعت الشراكة بين المؤسستين نطاق تعاونهما لتشمل مجالات الهندسة والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات والطب الحسابي، مع استثمارات مكثفة في البنية التحتية الرقمية وقدرات علوم البيانات.

ويستند معهد هيوستن ميثوديست وجامعة رايس للصحة الرقمية إلى تعاون سابق بين المؤسستين في مجالات ترميم الأعصاب والهندسة الطبية الحيوية وأبحاث الأداء البشري. ويصف قادة المؤسستين المعهد بأنه شراكة أوسع وأكثر تكاملاً سريرياً حتى الآن.

والأهم من ذلك، أن هذه الشراكة تتجاوز البحث العلمي وحده، إذ صُمم معهد الصحة الرقمية ليس فقط لتسريع الاكتشافات، بل أيضاً لدعم التسويق والتعليم متعدد التخصصات وتطوير القوى العاملة. ويؤكد القيمون على المعهد أن إعداد الأطباء والمهندسين والعلماء المستقبليين للعمل التعاوني بين مختلف التخصصات سيكون أمراً بالغ الأهمية مع استمرار تطور الطب الرقمي.

فبالنسبة للأطباء الذين يتابعون التطور السريع للذكاء الاصطناعي والطب الرقمي، فإن الرسالة الأوضح للمعهد: "قد يعتمد مستقبل الرعاية الصحية بشكل أقل على من يطور التقنيات "المبهرة"، وأكثر على من يستطيع تطبيقها بفعالية أكبر في الرعاية السريرية اليومية". وبحسب القيمين على مستشفى هيوستن ميثوديست وجامعة رايس، الابتكار الحقيقي يتحقق أسرع عندما يعمل الأطباء والمهندسون وخبراء التطبيق جنبًا إلى جنب منذ البداية.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط