عند الرابعة فجراً، وبينما يستعد بعض السودانيين لصلاة الفجر أو التوجه إلى أعمالهم، ترتفع صيحات الفرح في أحد أحياء أم درمان بعد تسجيل هدف في إحدى مباريات كأس العالم. وفي مقهى قريب، تواصل شاشة تلفزيون تعمل بالطاقة الشمسية نقل المباريات في ظل انقطاع الكهرباء، بينما يواصل عشرات المشجعين السهر حتى الصباح.
هكذا تبدو نسخة مونديال 2026 في السودان؛ بطولة تمنح كثيرين متنفساً وسط أجواء الحرب، فيما يعزف عنها آخرون بعدما أثقلت الأزمات الاقتصادية والمعيشية كواهلهم.
الحرب تُطفئ حماس المونديال
فرضت الحرب واقعاً جديداً على تفاصيل الحياة اليومية في السودان، ولم تكن كرة القدم بمنأى عن تداعياتها. فقد تراجع الاهتمام ببطولة كأس العالم في عدد من المدن، خصوصاً الخرطوم، بفعل الضغوط الاقتصادية والنفسية وصعوبة متابعة المباريات، فيما فرض فارق التوقيت مع الولايات المتحدة طقوساً جديدة امتدت حتى ساعات الفجر.
في هذا الشأن، يقول حمد سليمان، من أم درمان، ل"العربية.نت"، إن الاهتمام بالمونديال يشهد تراجعاً غير مسبوق، موضحاً أن كثيراً من الشباب لم يعودوا يحرصون على متابعة المباريات كما كان الحال في النسخ السابقة.
غياب البث والأزمة المعيشية يغيّران المشهد
فيما يعزو سليمان هذا التراجع إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى غياب البث التلفزيوني المحلي. ويوضح أن قناة الخرطوم، التي اعتادت نقل مباريات البطولة في النسخ السابقة، لم تتمكن هذه المرة من الحصول على حقوق البث بسبب الأزمة المالية، ما حرم شريحة واسعة من المشاهدين من الوسيلة التي اعتمدوا عليها لسنوات.
ويرى أن الضغوط المعيشية والنفسية التي فرضتها الحرب غيّرت أولويات المواطنين، فتراجعت التجمعات التي كانت تملأ الأندية والمقاهي قبل المباريات، وأصبحت متابعة البطولة مقتصرة على أعداد محدودة.
كردفان أكثر متابعة... والإنترنت يعوّض البث التقليدي
بدوره، يتفق الصحفي الرياضي أحمد مانشستر مع هذا التقييم، مؤكداً ل"العربية.نت" أن الاهتمام بمونديال 2026 أقل بكثير مقارنة ببطولة قطر 2022، بسبب الحرب وصعوبة الظروف المعيشية، فضلاً عن توقيت المباريات المتأخر الذي حدّ من قدرة كثيرين على متابعتها.
ويشير إلى أن الصورة تختلف نسبياً في إقليم كردفان، حيث ساعد انتشار أجهزة استقبال منخفضة التكلفة على توسيع قاعدة المشاهدين. كما أسهمت أجهزة الاستقبال المعتمدة على الإنترنت في توفير بديل أقل كلفة من الاشتراكات التقليدية، إذ لا تتجاوز تكلفة الجهاز مع التنشيط نحو 150 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 30 دولاراً أميركياً، بينما يظل استهلاك البيانات محدوداً، ما جعلها خياراً مناسباً لكثير من المشجعين لمتابعة مباريات كأس العالم وبطولات كروية أخرى.
كما يضيف مانشستر لـ"العربية.نت" أن فتور الاهتمام خلال الدور الأول يعود أيضاً إلى عوامل فنية، من بينها زيادة عدد المنتخبات المشاركة، وهو ما أفرز مباريات متفاوتة المستوى. لكنه يتوقع ارتفاع نسب المتابعة مع انطلاق الأدوار الإقصائية، التي تحظى عادة بإقبال أكبر بسبب طبيعتها الحاسمة وما تتسم به من تنافس وإثارة.
ليالٍ بلا نوم... المونديال يقلب الساعة السودانية
في المقابل، يرى إبراهيم خيري أن البطولة غيّرت إيقاع الحياة اليومية، بعدما فرضت المباريات المتأخرة ساعات طويلة من السهر، فيما يذهب كثيرون إلى أعمالهم بعد نوم قصير.
ويقول ل"العربية.نت" إن متابعة المباريات تحولت إلى مناسبة اجتماعية، يجتمع خلالها الأصدقاء حول الشاي والقهوة والشيشة، وسط نقاشات وتشجيع يمتدان حتى ساعات الفجر، لتصبح ليالي المونديال جزءاً من روتين الحياة اليومية رغم الظروف الصعبة.
المنازل بديلاً للمقاهي خوفاً من الحرب
لكن هذه الأجواء لا تشمل جميع المناطق. ويوضح أحمد مانشستر ل"العربية.نت" أن جانباً كبيراً من المشاهدة انتقل إلى المنازل بسبب المخاوف الأمنية المرتبطة بالحرب، ولا سيما مخاطر الطائرات المسيّرة، إضافة إلى خشية كثيرين من التعرض للسرقة أو النهب، وهو ما قلّص الإقبال على التجمعات العامة مقارنة بالبطولات السابقة.
الطاقة الشمسية تنقذ شاشات المقاهي
وفي إطار تنظيم المشاهدة الجماعية، أصدرت وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم قراراً بمنح تراخيص لأندية المشاهدة، مع إلزام المستثمرين بسداد الرسوم الخاصة بإقامة الفعاليات في المقاهي والمطاعم والساحات.
ويقول أحمد الطيب، صاحب مقهى شعبي في أم درمان، ل"العربية.نت"، إن الاستعداد للمونديال هذا العام دفعه إلى شراء منظومة للطاقة الشمسية لتشغيل التلفزيون وجهاز الاستقبال بسبب أزمة الكهرباء، موضحاً أنه أنفق نحو مليوني جنيه سوداني، أي ما يعادل قرابة 400 دولار أميركي، لضمان استمرار البث طوال البطولة، مع الاكتفاء بإضاءة محدودة داخل المقهى لتقليل استهلاك الطاقة.
في المقابل، تحولت أندية المشاهدة في أم درمان إلى وجهة جماهيرية مكتظة، مع توافد أعداد كبيرة من المواطنين لمتابعة مباريات كأس العالم، في مشهد يعكس استمرار الشغف بكرة القدم رغم الظروف الصعبة. وأكدت السلطات المحلية أن شاشات العرض فُتحت مجاناً، بتوجيهات من حاكم الخرطوم، وسط ترتيبات محكمة وفّرت أجواء آمنة ومريحة.
تكلفة التشجيع... كلٌّ حسب قدرته
ويشير إبراهيم خيري إلى أن تكلفة حضور المباريات تختلف بحسب مستوى المكان، إذ تتراوح رسوم الدخول في الأندية الشعبية بين ألفي وثلاثة آلاف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 60 سنتاً أميركياً، بينما ترتفع في الأندية التي توفر قاعات مكيفة وخدمات إضافية، ما يدفع المشجعين إلى اختيار أماكن المشاهدة وفق إمكاناتهم المادية.
ورغم الحرب والانقطاع المتكرر للكهرباء والأوضاع الاقتصادية الصعبة، لا يزال كثير من السودانيين يجدون في كأس العالم فرصة لالتقاط لحظات من الفرح والهروب المؤقت من ضغوط الحياة.
وبين من يكتفي بمتابعة المباريات من منزله، ومن يسهر حتى الفجر في مقهى يعمل بالطاقة الشمسية، تواصل كرة القدم أداء دورها كمتنفس اجتماعي في زمن الحرب، حتى وإن تبدلت طقوسها وظروف متابعتها، لتبقى البطولة بالنسبة إلى كثيرين مساحة نادرة يجتمعون فيها حول شغف مشترك يتجاوز صعوبات الواقع اليومي.