أعادت الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي، السبت، خلط أوراق الصراع بين الجيش والجماعات المتطرفة والحركات الانفصالية، بعدما استهدفت العمليات عدة مدن في شمال ووسط البلاد، إضافة إلى أحد أكبر السجون القريبة من العاصمة باماكو، في تطور عكس التصاعد في قدرات تلك الجماعات واتساع نطاق عملياتها.
فقد شنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتنسيق مع مقاتلين من "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية التي يقودها الطوارق، هجمات متزامنة بدأت قبيل الفجر، مستهدفة مدن أنفيف وغاو وأغيلهوك وسيفاري، إلى جانب سجن كينييروبا، الواقع على بعد نحو 60 إلى 70 كيلومتراً من العاصمة باماكو.
وفي الوقت الذي أكد الجيش المالي تعرض مواقعه في عدد من المناطق لمحاولات هجوم، أفادت مصادر أمنية وسكان محليون بأن الاشتباكات استمرت لساعات، وسط سماع دوي انفجارات وإطلاق نار كثيف في عدد من المناطق.
في المقابل أشار المتحدث باسم "جبهة تحرير أزواد"، محمد المولود رمضان، إلى أن مقاتلي الجبهة تمكنوا من دخول بلدة أنفيس، وأن "عدة مواقع سقطت"، بينما لا تزال المعارك مستمرة داخل المدينة.
الضربات تطال سجناً
ولم تقتصر الهجمات على المواقع العسكرية، إذ استهدف المسلحون أيضاً مجمع سجن كينييروبا، إذ أضرم المهاجمون النار في عدد من المركبات داخل المجمع. بيد أن أحد سكان المدينة، قال لوكالة "فرانس برس"، إن "الجماعات المسلحة موجودة داخل البلدة، لكن الجيش لا يزال يقاوم، كما أن المعسكر العسكري لم يسقط بعد".
وتعد هذه الهجمات الأوسع منذ العمليات التي شهدتها البلاد في أواخر أبريل الماضي، عندما شنت الجماعات نفسها هجمات كبيرة استهدفت مطار العاصمة باماكو وعدداً من القواعد العسكرية في شمال البلاد، وتمكنت خلالها من فرض سيطرتها على مدينة كيدال، في واحدة من أكبر الانتكاسات التي تعرض لها المجلس العسكري الحاكم.
وكانت السلطات المالية أعلنت في نهاية أبريل الماضي، استعادة السيطرة على بلدة كيدال الحدودية مع النيجر، بعدما تسلل إليها مسلحون مرتبطون بتنظيم "داعش". كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في الفترة نفسها أن قواتها أحبطت محاولة انقلاب نفذتها مجموعات مسلحة داخل مالي، في تأكيد على استمرار الانخراط الروسي في دعم المجلس العسكري الحاكم.
ثم عقب تلك المعارك، عزز الجيش المالي وجوده العسكري في أنفيس بدعم من عناصر "فيلق أفريقيا" الروسي، الذي حل محل مجموعة "فاغنر" بعد إعلان الأخيرة إنهاء وجودها في مالي خلال يونيو 2025. لكن وفق مراقبين فإن الهجمات الجديدة تشير إلى أن الانتشار العسكري المشترك لم ينجح في منع الجماعات المسلحة من استعادة زمام المبادرة، أو تنفيذ عمليات منسقة تستهدف مواقع متعددة في توقيت واحد.
لماذا تكتسب "أنفيف" أهمية خاصة؟
وتمثل أنفيف وأغيلهوك آخر معاقل الجيش المالي في منطقة كيدال، بعد خسارته معظم مواقعه هناك خلال معارك أبريل، وهو ما يجعل أي تقدم للمسلحين في هاتين البلدتين ذا أهمية استراتيجية كبيرة.
كما أن استهداف مدينة غاو، إحدى أهم المدن في شمال البلاد، وسيفاري في وسط مالي، إضافة إلى سجن قريب من العاصمة، يعكس توسعا جغرافياً في العمليات، ما يجعل الجماعات المسلحة أكثر قدرة على التحرك في أكثر من جبهة في وقت واحد.
بدوره، رأى المحاضر الجامعي والخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، عبد الرحمن مكاوي، أن الهجمات المتزامنة التي تشنها جبهة تحرير أزواد على مواقع في أنفيف وغاو، والتي تضم ثكنات للجيش المالي وعناصر من فيلق إفريقيا الروسي، "تعكس مستوى متقدماً من التنسيق الميداني بين الجبهة الانفصالية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة".
إلى ذلك، أوضح مكاوي، في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت/الحدث.نت"، أن "المعارك لا تزال مستمرة في شمال مالي، حيث يحاول الجيش المالي الصمود أمام هجمات متكررة ومتزامنة، مشيراً إلى أن الجماعات المسلحة تمتلك ترسانة عسكرية متطورة، تشمل، بحسب تقديره، أكثر من 500 مركبة رباعية الدفع مزودة بمدافع من عيار 100 ملم، إلى جانب مقاتلين من فصائل أزواد، وعناصر من ميليشيات حليفة في المناطق الحدودية.
كما أضاف الخبير في الشؤون العسكرية أن "مستوى التسليح الذي تمتلكه هذه الجماعات بات أكثر تطوراً، خاصة أن مصادر عسكرية فرنسية تحدثت عن استخدامها طائرات مسيرة وصواريخ مضادة للمروحيات، وهو ما يزيد من تعقيد المواجهات الدائرة في شمال البلاد". واعتبر أن استمرار القتال يعكس وجود تدخلات خارجية تستهدف تقويض الوجود العسكري الروسي في شمال مالي، وإخراج الجيش المالي من منطقة تزخر بموارد استراتيجية، تشمل النفط والغاز، فضلاً عن المعادن النادرة مثل الفاناديوم واليورانيوم، وفق تقديره.