لم يعد سعر عبوة آيس كريم فاخرة مجرد تفصيل استهلاكي، بل أصبح مؤشراً يعكس تحولات أعمق في سلوك المستهلكين واتساع الفجوة الاقتصادية في الولايات المتحدة.
اصطفت طوابير من الزبائن في مدينة هوبكنز بولاية مينيسوتا لشراء عبوات آيس كريم يصل سعر الواحدة منها إلى نحو 15 دولاراً، في مشهد يتكرر صيفاً وشتاءً. ولا تقتصر الظاهرة على متجر "A to Z Creamery" أو حتى على الآيس كريم نفسه، بل تعكس تغيرات واسعة في الاقتصاد الأميركي وأنماط الإنفاق الاستهلاكي.
بدأت قصة A to Z Creamery خلال جائحة كورونا، حين فقد زاك فرا عمله في المبيعات مؤقتاً بسبب الإغلاقات. واستغل شغفه بصناعة الحلويات وآلة آيس كريم صغيرة حصل عليها من والدته لإنتاج نكهات مبتكرة ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لما ذكرته شبكة "CNN"، واطلعت عليه "العربية Business".
واجتذبت النكهات غير التقليدية، مثل آيس كريم البسكويت النباتي وخليط الفشار والجبن الشيدر والكراميل، اهتمام المتابعين، لتتزايد الطلبات إلى المئات وتتحول الهواية إلى مشروع تجاري يعتمد على طرح دفعات محدودة للبيع أسبوعياً.
واستفاد المشروع من التحولات التي فرضتها الجائحة، إذ وجه الأميركيون إنفاقهم بعيداً عن السفر والمطاعم نحو المنتجات المنزلية والاتجاهات الرائجة على منصات التواصل الاجتماعي.
اقتصاد يعيش مرة واحدة
أطلقت إعادة فتح الاقتصاد موجة جديدة من الإنفاق عرفت باقتصاد YOLO أو "أنت تعيش مرة واحدة فقط"، حيث فضل كثير من الأميركيين إنفاق أموالهم على تجارب ومنتجات تمنحهم شعوراً بالمتعة بعد سنوات من القيود الصحية.
وحافظت الشركة على نموذج "الطرح المحدود" لمنتجاتها، وتعمل حالياً على التوسع عبر متجر فعلي وخدمات توصيل، مستفيدة من استمرار الطلب على المنتجات الحصرية.
اتساع الفجوة الاقتصادية
تزامن هذا النمو مع اتساع الفوارق المالية بين الأميركيين. فبعد الجائحة، استفادت شرائح واسعة من المدخرات المتراكمة والمدفوعات الحكومية وتأجيل أقساط القروض، بينما واجه آخرون ضغوطاً متزايدة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
ورغم تراجع التضخم تدريجياً وارتفاع الأجور، أسهم صعود أسعار المنازل والأسهم، المدفوع جزئياً بازدهار الذكاء الاصطناعي، في زيادة الفجوة بين أصحاب الثروات وبقية الأسر الأميركية.
وأدى ذلك إلى ما يصفه بعض الاقتصاديين بـ"اقتصاد حرف K"، حيث واصلت الفئات الأكثر ثراءً زيادة إنفاقها، بينما تعرضت الأسر الأقل دخلاً لضغوط مالية متزايدة.
من الإنفاق المفرط إلى المكافآت الصغيرة
تحول سلوك المستهلكين بعد انتهاء موجة الإنفاق الانتقامي إلى ما يعرف باقتصاد "المكافآت الصغيرة"، إذ بات كثيرون يبحثون عن مشتريات محدودة تمنحهم قدراً من السعادة دون استنزاف ميزانياتهم.
ويرى الرئيس التنفيذي لشركة "Fetch"، ويس شرول، أن كثيراً من الأميركيين يشعرون بأنهم لا يشاركون بشكل مباشر في مكاسب الاقتصاد رغم صعود الأسواق وتحقيق الشركات أرباحاً قياسية، ما يدفعهم للبحث عن متع بسيطة تعوض هذا الشعور.
ولهذا السبب يجد آيس كريم فاخر بسعر 15 دولاراً قاعدة واسعة من العملاء، باعتباره إنفاقاً يمكن تحمله نسبياً مقارنة بالسلع والخدمات مرتفعة التكلفة.
فيما جذبت شركات مثل "Underground Creamery" في هيوستن و"ساد بوي" (Sadboy Creamery) في دنفر عملاء من شرائح دخل مختلفة، إذ يرى بعض المستهلكين أن هذه المنتجات تمنحهم تجربة مميزة وقيمة تتجاوز السعر.
وأكدت هذه الشركات أن الزبائن يقدرون المكونات الفاخرة والعمل اليدوي والابتكار في النكهات، ما يجعل شراء عبوة آيس كريم أقرب إلى تجربة ترفيهية منه إلى مجرد منتج غذائي.
الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة "اللمسة البشرية"
استفادت شركات الآيس كريم الحرفي أيضاً من اتجاه متزايد نحو الأعمال الصغيرة والاقتصاد الحر، حيث سمحت الأدوات الرقمية بتأسيس مشروعات منخفضة التكاليف نسبياً.
ودفعت هيمنة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بعض رواد الأعمال إلى البحث عن أعمال ملموسة تعتمد على الإبداع البشري المباشر. وترى إيرين فوردن ومادي نيهلين، مؤسستا Betty Jo's Creamery في نيويورك، أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في إدارة الأعمال مستقبلاً، لكنه لا يستطيع استبدال العنصر البشري في صناعة الآيس كريم.
كما عززت هذه المشروعات رغبة المستهلكين في دعم المنتجات المحلية والتواصل مع مجتمعاتهم، حتى لو تطلب ذلك دفع أسعار أعلى.
وفي النهاية، يبدو أن عبوة آيس كريم بسعر 15 دولاراً لا تعكس فقط شهية الأميركيين للحلويات، بل تكشف أيضاً عن اقتصاد تتعايش فيه الثروة المتزايدة مع الضغوط المعيشية، وتصبح فيه "المتعة الصغيرة" وسيلة للتعامل مع واقع اقتصادي معقد.