عاجل

البث المباشر

بالطريق نحو حلب.. "مسافة أمان" تقي من طائرات الأسد

المصدر: الحدث.نت

كنا في طريقنا نحو مدينة حلب حينما أوقفنا حاجز للجيش الحر، وطلب منا تغيير الطريق، ترجلت من السيارة أسأل أحد العناصر عن السبب، فأجابني لاهثاً: "الروح غالية يا شيخ، بدك تروح روح، بس الجثث عبتنبع من الأرض وما رح نقدر نسعفكن أو ننتشل جثثكم". ثم مدّ لي يديه برهاناً، حمراء تقطر دماً، دم من انتشل جثثهم قبل قليل.

في سوريا المعروفة بفوضى المرور وتهور السائقين، تلحظ على طرقات السفر هذه المرّة تقيداً مذهلاً بـ"مسافة أمان" بين السيارات، مسافة كبيرة تتجاوز الثلاثة أو الأربعة أمتار بكثير، ليست قلّة السيارات العابرة هي السبب، يتذمر السائقون إن ازدحمت الطرقات، فتجمّعُ السيارات قد يلفت نظر الطائرة فتقصفها جميعاً بالصواريخ الحرارية.

يوم الأحد الماضي، لم يكن هناك ما يحمينا من صواريخ الطائرات سوى "إجراءات الأمان" التي يظن السائقون أنهم يتبعونها وتقلل من احتمال استهدافهم، فرض النظام طوقاً جوياً على الجزء المحرر من مدينة حلب بعد تقدمه في "الشيخ نجار" وجبهة "البريج"، وعزلها بذلك عن الريف، أصبح الدخول إليها مخاطرة ومراهنة، ويحتاج أن تمرّ مسرعاً بين السيارات التي تحترق والجثث التي صارت رماداً.

قنينة عطر وسيجارة

تبدو آذان السائقين قد تأقلمت وأصبحت أكثر رهافة، لا يمنعهم شيء عن تمييز صوت الطائرة، لا الضوضاء في الخارج، ولا الأحاديث داخل السيارة، يميزونه بطريقة مذهلة دون حتى أن يمدوا رؤوسهم من الشبابيك، يتمتمون: "طائرة"، يزيدون بعدها من السرعة ومن مسافة الأمان. أعطانا أحد السائقين قنينة "عطر" لندورها بين الركاب ونمسح بها أيدينا ونتلوا الأحاديث والدعوات، وصرخ أحد الركاب بوجهي في مرة أخرى "أطفئ السيجارة وأجّلها حتى نصل يا شيخ". ذنبٌ أو معصية في الطريق قد تزيد من احتمال أن تصيبك الطائرة وتحيلك رماداً كما يعتقد.

تختلف "إجراءات الأمان" في الطرق الترابية، يجادل سائق الأجرة أنّ عليه أن يبطئ المسير فيها مع المحافظة على مسافة الأمان، فالغمامة الترابية حول السيارة إن أسرع قد تجعل الطيار يلحظ السيارة، أو يظنها لـ"الجيش الحر" طالما أن سيارات الجيش الحر تسير مسرعة في العادة، ويصر أحد الركاب: "أسرع يا شيخ، من كل عقلك بيهتم الطيار إن كنت جيش حر أو مدني!".

ضوء المكابح

وهناك أمثلة يتداولها الناس حول صحة نظرية السائقين في نزع "ضوء الفرامل الأحمر" (ضوء المكابح) من خلفية السيارة وإطفاء أضواء السيارة تماماً في الليل، تجنباً لاستهدافها من الطائرات، حيث يستهدف الطيار ليلاً أي ضوء متحرّك، وكم من قصة تسمعها عن شخص استشهد، لأنه نسي أن يكسر ضوء فرامل السيارة، أو أشعل ضوء السيارة الأمامي، ليتلمس الطريق في الظلام الدامس.

ما إن تعبر "الحدود التركية" وتدخل "أعزاز"، يتجمع حولك سائقو الأجرة، عشرات - وربما مئات - السيارات المستعدة لتوصيلك حيث تشاء، قلما تستطيع أن تنتقي إحداها دون أن يشبّ شجار بين السائقين، أجرة راكب الأجرة نحو مدينة حلب التي تبعد مسافة ساعة ونصف في الأحوال العادية خمسمئة ليرة - حوالي أربعة دولارات - وأجرة السيرفيس 350 ليرة، ربما هي أرخص وسائل المواصلات في العالم أجمع، لا يمنّ عليك السائق أنه يعبر نحو الموت من أجل إيصالك لوجهتك، ستموت معه إن لم يتقن إجراءات الأمان، أو حتى إن أتقنها.