في الحلقة الأولى من برنامج "مراجعات" الذي يُعرض على قناة العربية، استضاف الأكاديمي والباحث والسياسي البارز ضياء رشوان، الصحفي والإعلامي عبد الجليل الشرنوبي.
وتناولت الحلقة رحلة الشرنوبي داخل تنظيم الإخوان المسلمين من انضمامه في نهاية الثمانينيات حتى استقالته العلنية في عام 2011 ،بعد ثورة يناير بخمسة أشهر.
في هذه المقابلة، قدم الشرنوبي رؤى صادمة حول تجربة الإخوان، كاشفا عن تحولاته الشخصية والأسباب التي دفعته لمغادرة التنظيم.
البداية: حلم جميل يتحول إلى كابوس
بدأ الشرنوبي حديثه عن انضمامه لتنظيم الإخوان بملء إرادته بعد قراءة واسعة عنهم في طفولته.
كان الحلم المثالي الذي دفعه للانضمام إلى التنظيم حيث رأى فيها مثالا يحتذى به في الأخلاق والدين.
قال الشرنوبي: "دخلت الإخوان باختياري، بحثت عن الإخوان، قرأت عنهم في طفولتي كان الحلم حلماً جميلاً، وكانت الحياة أكثر مثالية في عيني وفق ما قرأت وسمعت."
ومع مرور الأيام، بدأ يصعد في صفوف التنظيم، متنقلاً بين مختلف الأقسام بدءاً من عضويته في شعبة شبرا، مروراً بالقسم السياسي المركزي، ووصولا إلى اللجنة الإعلامية المركزية.
رأى في الإخوان مجموعة من الأفراد الذين يمثلون التزاما أخلاقيا ودينيًا نقيًا. كان يعتقد أن الانضمام إليهم سيحقق له فرصة للمساهمة في بناء مجتمع أفضل وأكثر عدلاً. مع تقدم الوقت وازدياد مسؤوليته داخل التنظيم، بدأت الصورة المثالية التي رسمها تتغير تدريجيا.
الشرنوبي استرجع ذكريات تلك الفترة قائلاً: "في البداية، كنت أشعر بالفخر والانتماء. كانت كل خطوة أخطوها داخل التنظيم تجعلني أشعر بأنني أقرب إلى تحقيق أحلامي في الإصلاح والتغيير."
اكتشاف الحقيقة.. من التسليم إلى التساؤل
أثناء رحلته داخل التنظيم، كلما ارتقى الشرنوبي في المناصب كلما رأى حقيقة مغايرة لما كان يحلم به. وصف تجربته بأنها "إفاقة من غيبوبة"، حيث بدأ يلاحظ السلبيات داخل التنظيم وقال: "كلما ارتقيت الدرجة كلما رأيت، والحقيقة أنه من فضل ربنا علي أنه رغم دخولي الإخوان ودخول الإخوان أشبه بحالة التسليم، كان عندي مرجعين: والدي الشيخ محمد الشرنوبي وارتباطي بالقراءة والكتابة."
وأوضح الشرنوبي كيف أن المرجعية الأولى، والده الشيخ محمد الشرنوبي، الذي كان شيخاً أزهرياً مخلصاً لدعوته، ساعدته على الحفاظ على ميزان قيمي. أما المرجعية الثانية فكانت شغفه بالقراءة والكتابة، مما أتاح له نافذة للحياة خارج التنظيم. وقال: "ارتباطي بالقراءة والكتابة وقصر ثقافة دمنهور ونادي القصة وعيشة الأدباء جعل لي دائما منفذاً للحياة خارج التنظيم، وهذا جعل فكرة تمكن الجرثومة من وعيي صعبة قليلا."
وفي هذه المرحلة، بدأ الشرنوبي يشعر بتناقضات كبيرة بين ما كان يعتقده وما كان يراه. كانت هناك فجوة متزايدة بين القيم والمثل العليا التي كان يعتقد أن التنظيم يدعو إليها وبين الممارسات الفعلية داخل التنظيم. وقال الشرنوبي: "كان من الصعب على تجاهل هذه التناقضات . كلما ارتقيت في التنظيم، كنت أشاهد المزيد من الأمور التي لا تتوافق مع ما تعلمته عن الدين والأخلاق."
المواجهات الداخلية.. الصراع من أجل الحقيقة
كلما ارتقى الشرنوبي داخل التنظيم، كلما تكشفت له الحقائق المزعجة، على حد قوله. حاول مواجهة القيادة عدة مرات مشيراً إلى الأخطاء، ولكن الردود كانت دائماً جاهزة: "يا جماعة اللي بيحصل ده غلط يتقال أصلا إحنا في وضع استثنائي مش قادرين نصلح." هذا الرد لم يكن كافيا لإقناع الشرنوبي الذي ظل يسعى لفهم الحقائق والكشف عن التناقضات داخل التنظيم.
ولم يكن الشرنوبي الوحيد الذي شعر بهذه التناقضات. فقد وجد أن هناك العديد من الأعضاء الذين يشاركونه نفس الشعور، ولكنهم يخشون التعبير عن آرائهم خوفًا من العواقب. كان يرى أن القيادة تعتمد على تبرير الأخطاء بتلك الحجة، مما جعله يشعر بالإحباط وفقدان الثقة تدريجيا. وقال: "كنت أتساءل: كيف يمكن لجماعة تدعي أنها تعمل من أجل الله أن تتجاهل هذه القيم الأساسية؟ كان لدي الكثير من التساؤالت التي لم أجد لها إجابات مقنعة."
وأضاف: "أذكر أنني كنت أتحدث مع بعض الأعضاء الآخرين، وكنا نشعر بنفس الحيرة. كنا نتساءل كيف يمكن أن يكون هناك تناقض كبير بين ما يُقال وما يُفعل. كان من الصعب علينا أن نصدق أن الأمور يمكن أن تكون بهذا السوء."
القرار بالاستقالة: نهاية رحلة الأمل
وبحلول عام 2011، وبعد ثورة يناير، اتخذ الشرنوبي قراراً حاسماً بالاستقالة من الإخوان المسلمين. وصف الشرنوبي تلك الفترة بقوله: "صبرت لحد ما قامت ثورة يناير، وبات الإخوان على عتبات الحكم أو إلى عتبات الحكم يسيرون. وانتظرت. رهنت نفسي من فبراير إلى مايو 2005. قلت لعل الألفين إلى مايو 2011. قلت لعل خروجنا إلى النور كمصر كلها وزوال الأخوان خروج مصر كلها إلى النور، وزوال حالة الملاحقات والمتابعات تعين الإخوان على إصلاح كثير من الأمور، فاكتشفت أنهم يسيرون نحو الحكم بكل ثقة وبكل تطوير لكل ما كان سلبيا قبل هذا."
في هذه الفترة، كان الشرنوبي يراقب عن كثب تحركات التنظيم. كان يعتقد أن الثورة قد تكون فرصة للإخوان لإصلاح أخطائهم والعودة إلى القيم الأساسية التي كانوا يدعون إليها. ولكن بدلاً من ذلك،وجد أنهم كانوا يسعون للاستفادة من الفوضى لتحقيق أهدافهم الخاصة بالسيطرة على السلطة.
وفي هذا السياق قال الشرنوبي: "كنت أشعر بخيبة أمل كبيرة. بدلاً من استغلال الفرصة لإحداث تغييرحقيقي، كانوا يسعون لتحقيق مصالحهم الضيقة. كان هذا هو القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لي. قررت أن الوقت قد حان لأترك التنظيم وأبدأ في البحث عن طريق جديد.
الصراعات الداخلية: بين الحمائم والصقور
وأوضح الشرنوبي كيف أن الصراعات الداخلية داخل التنظيم كانت تتركز على امتلاك مراكز القوة والسيطرة على رأس المال. وقال: "الصراعات كلها كانت على أن تمتلك المجموعات مراكز القوة داخل التنظيم المتحكمة فيه على مستوى إدارة الأمانة العامة للتنظيم سواء على مستوى الداخل أو الخارج، وعلى مستوى الاستحواذ على رأس المال أو إدارة المال." هذه الصراعات كانت دائماً موجودة بين مختلف الفصائل داخل التنظيم، مما يعكس عمق الانقسامات والتوترات الداخلية.
وتابع قائلاً: "المثير للسخرية أن هذه الصراعات كانت في أغلب الأحيان تدور حول أمور تنظيمية بحتة، بعيداً عن القيم والأهداف التي تأسس التنظيم من أجلها. فقد كانت الغاية هي السلطة والنفوذ،وليس تحقيق العدالة أو الإصلاح."
وأضاف الشرنوبي: "كانت هناك صراعات مستمرة بين الحمائم والصقور داخل التنظيم. الحمائم كانت تسعى لتحقيق الأهداف بطريقة سلمية وبطيئة، بينما كانت الصقور ترغب في استخدام القوة والسرعة لتحقيق نفس الأهداف. هذا الصراع الدائم جعل من الصعب تحقيق أي تقدم حقيقي داخل التنظيم."
الفكر القطبي.. حقيقة أم خرافة؟
وناقش الشرنوبي أيضاً فكرة التيار القطبي داخل الإخوان، معتبراً أن أفكار سيد قطب ليست إلا امتداداً لأفكار حسن البنا. قال: "لا يوجد شيء داخل الإخوان اسمه تيار قطبي. هذه إحدى اللافتات التي ترفع للتوعية عن حقيقة أن أفكار سيد قطب كلها أصلها حسن البنا." وأضاف أن أفكار حسن البنا كانت الأساس لجميع المفاهيم التي تبناها سيد قطب فيما بعد.
وأوضح أن سيد قطب لم يكن إلا تلميذاً نجيبا لفكر حسن البنا، مشيراً إلى أن الكتابات الأولى للبنا تحمل جميع بذور الأفكار المتطرفة التي طورها سيد قطب لاحقاً. وأضاف: "إذا قرأت رسائل حسن البنا بدقة، ستجد أنها تتضمن نفس الأفكار التي كانت تُنسب لسيد قطب، سواء كانت عن الجاهلية أو الحاكمية."
وتابع: "الفكر القطبي ليس شيئاً جديداً أو منفصلاً عن فكر الإخوان. بل هو جزء لا يتجزأ من الأساس الذي وضعه حسن البنا. المشكلة تكمن في أن الكثيرين لا يدركون هذه الحقيقة، ويظنون أن سيد قطب هو المؤسس الحقيقي لهذا الفكر المتطرف."
حسن البنا.. الشخصية الأسطورية
وتحدث الشرنوبي عن شخصية حسن البنا وكيف أن الصورة النمطية التي رسمت له لا تعكس الحقيقة.
وقال: "أسطورة حسن البنا التي صنعت هذا التنظيم. حتى يمكن تعرية أفكاره يجب علينا أن نعيد قراءة شخصيته كلها بظروف نشأتها." وأشار إلى أن حسن البنا كان يصنع أسطورة مرتبطة به لا علاقة لها بالواقع، مؤكداً على ضرورة إعادة قراءة كتابات حسن البنا لمواجهة الرأي العام الإنساني بأفكاره الحقيقية.
وأضاف الشرنوبي: "حسن البنا كان يتمتع بقدرة فائقة على التأثير في الآخرين، ولكن الكثير من جوانب شخصيته كانت مختفية خلف هالة القداسة التي أحيطت به. لقد كان بارعاً في التلاعب بالعواطف واستغلال الحماس الديني لتحقيق أهدافه الشخصية والتنظيمية."
وتابع: "إذا أردنا فهم حقيقة حسن البنا، علينا أن نزيل هذه الهالة وننظر إلى شخصيته بشكل موضوعي. علينا أن نفهم كيف كان يستخدم الدين كأداة لتحقيق أهدافه. الكثير من الأمور التي تعتبر جزءا من أسطورته ليست سوى مبالغات أو تحريف للحقائق.
الحياة خارج التنظيم
وأوضح الشرنوبي كيف أن خروجه من التنظيم كان بمثابة التحرر من قيود فكرية وروحية، معتبراً أن الإبداع والحرية الحقيقية لا يمكن أن يزدهرا داخل إطار الجماعة. قال: "أنا أكتب ما أشعره. كتبت للتنظيم ما كتبت، لكن طيلة الوقت كنت مقيداً، لم أستشعر براحة إلا يوم كنت سهران في نهاية شهر مايو أكتب الاستقالة." وأكد أن التنظيم يضع نفسه بين العضو والله، مما يلغي الحرية الشخصية ويحول الإنسان إلى آلة تابعة للتنظيم.
وأشار إلى أن الكتابة والأدب كانا ملاذه الوحيد خلال تلك الفترة، حيث وجد فيهما منفذاً للتعبير عن نفسه وأفكاره. قال: "الإبداع لا يمكن أن يُحتوى داخل جدران التنظيم. لقد كانت الكتابة هي طريقتي للهروب من قيود الإخوان والبحث عن الحرية الفكرية والروحية."
وأضاف: "بعد خروجي من التنظيم، شعرت بأنني أستطيع أن أكون نفسي مرة أخرى. لم أعد مقيداً بالقواعد الصارمة والتوقعات التي كانت تحيط بي. بدأت أكتب بحرية وأستكشف أفكاري دون خوف من الحكم أو الانتقاد."
اللقاءات مع المغادرين.. ذكريات وتجارب مشتركة
وتحدث الشرنوبي عن اللقاءات مع الأعضاء السابقين الذين غادروا التنظيم، مشيراً إلى أن الجميع يكابد آثار ما كان في أسر التنظيم. قال: "جميعنا يكابد أثار ما كان في أسر التنظيم.
التنظيم يخلع الإنسان من كامل إنسانيته ومن كامل خصوصياته حتى في علاقته بالله سبحانه وتعالى."
وأوضح أن التنظيم يضع قواعد صارمة لمحاسبة الأعضاء على أفعالهم وعباداتهم، مما يحولهم إلى آلات تابعة للتنظيم دون حرية شخصية.
وأضاف: "التنظيم يستخدم الخوف والترهيب للحفاظ على السيطرة. الكثير منا يحمل ندوباًبسبب تلك التجربة. ومع ذلك، نجد في بعضنا البعض الدعم والقوة للمضي قدماً والتعافي من آثار الماضي."
وتابع: "عندما نلتقي، نتحدث عن تجاربنا ونتبادل الذكريات. نجد في تلك اللقاءات عزاء وسلوى لأننا ندرك أننا لسنا وحدنا في هذه المعاناة. جميعنا مررنا بنفس التجارب، ونعلم أن الشفاء يأتي من مشاركة قصصنا وتقديم الدعم لبعضنا البعض ."
دعوة لإعادة التفكير
واختتم الشرنوبي حديثه بالدعوة إلى إعادة التفكير في تنظيم الإخوان وقراءة كتابات حسن البنا وسيد قطب بعين نقدية. وأكد على أهمية كشف الحقائق وإزالة الهالة الأسطورية المحيطة بالتنظيم من أجل فهم أعمق لحقيقتها وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات.
قال الشرنوبي: "إذا أردنا مواجهة حقيقية الإخوان وتعرية حقيقية أفكارهم، علينا أن نبدأ بالإمام المؤسس، ننزع هالة القداسة، ونعيد قراءة الشخصية وقراءة ما أنتج الشخصية أيضاً. علينا أن نفتح الأبواب لإعادة الكتابة والبحث في أصل أصول حسن البنا وطبيعة شخصيته لنكشف الصورة الحقيقية لهذا الكائن الأسطوري."
وألقت الحلقة الأولى الضوء على تجربة عبد الجليل الشرنوبي داخل تنظيم الإخوان المسلمين، كاشفة عن حقائق وصراعات داخلية ومراجعات فكرية تستحق التوقف عندها والتأمل فيها. وقدم الشرنوبي شهادة مهمة تكشف عن الوجه الحقيقي للتنظيم داعيا الجميع إلى التعلم من تجربته وتوخي الحذر من الوقوع في نفس الفخاخ الفكرية والتنظيمية.