تظل ساعة جامعة القاهرة واحدة من أبرز المعالم التاريخية التي ارتبطت بذاكرة أجيال من طلاب وأساتذة الجامعة، فهي ليست مجرد وسيلة لقياس الوقت، بل أيقونة معمارية شاهدة على تاريخ هذه المؤسسة التعليمية العريقة منذ نشأتها مطلع القرن العشرين.
وتقع الساعة أعلى برج القبة الرئيسي بجامعة القاهرة، وتتميز بتصميمها الكلاسيكي الدائري الذي يضفي على مبنى الجامعة طابعًا مميزًا. ومع دقاتها التي ما زالت تتردد حتى اليوم، يشعر المارة وطلاب الجامعة بأنها تحافظ على هيبة المكان وتنظيم إيقاع الحياة بداخله. وقد جاءت فكرة إنشاء الساعة لتكون رمزًا للانضباط والدقة، ولتعكس الطابع الأكاديمي الذي يميز الجامعة باعتبارها من أقدم وأهم مؤسسات التعليم العالي في الشرق الأوسط.
جزء من الهوية البصرية والمعمارية
ويعود تاريخ إنشاء ساعة جامعة القاهرة إلى عام 1937، حيث شُيدت لتكون جزءًا من الهوية البصرية والمعمارية للمبنى الرئيسي، تمامًا كما هو الحال في الجامعات الأوروبية العريقة التي تحرص على وضع ساعات بارزة كرمز للزمن والمعرفة معًا.
وفي المقابل، تمتلك مصر معلمًا آخر يُشبه في مكانته شهرة ساعة "بيغ بن" البريطانية، وهو برج ساعة غزل المحلة بمحافظة الغربية، الذي أُنشئ عام 1947 على يد الإنجليز داخل مجمع شركة مصر للغزل والنسيج، إحدى أكبر القلاع الصناعية في الشرق الأوسط.
جاء إنشاء الساعة لتكون علامة بارزة للمدينة الصناعية، حيث شُيد البرج بارتفاع شاهق يجعل عقارب الساعة مرئية من مسافات بعيدة، ما منحها لقب "بيج بن مصر" بين الأهالي. وعلى مدار عقود طويلة، لم تكن الساعة مجرد مَعْلم معماري، بل رمزًا لهوية مدينة المحلة الكبرى وارتباطها بتاريخ الصناعة المصرية.
إدراج في عداد الآثار
وفي عام 2024 الماضي، أعلنت وزارة السياحة والآثار اعتماد عدد من قرارات اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية، بشأن تسجيل كل من مبنى قبة جامعة القاهرة ومبنى برج الساعة بالجامعة في عداد الآثار الإسلامية والقبطية.
وقال الباحث التاريخي الدكتور سامح الزهار في تصريحات لـ"العربية.نت"، إن برج ساعة جامعة القاهرة يعد واحدًا من أبرز المعالم الأثرية في مصر، حيث شُيّد عام 1937 ليكون شاهدًا على مسيرة الجامعة ونهضتها، موضحًا أن البرج لم يُبنَ ليُعدّ الثواني والدقائق فقط، بل ليحمل قيمة رمزية وحضارية، باعتباره رمزًا للزمن الذي يسبق الفعل والقرار.
وأضاف الزهار، أن برج الساعة بجامعة القاهرة يُعتبر "توأمًا مصريًا" لبرج ساعة "بيغ بن" في لندن، ويُعد ثاني أقدم ساعة من نوعها على مستوى العالم، مشيرًا إلى أن ارتفاعه يبلغ نحو 42 مترًا ويضم أربع ساعات وخمسة أجراس ميكانيكية تعمل بدقة متناهية.
دقات تمثل جزءا من ذاكرة المصريين
وأشار إلى أن دقات أجراس الساعة لم تكن مجرد إشارة زمنية داخل الحرم الجامعي، بل امتدت لتصبح جزءًا من ذاكرة المصريين لعقود، إذ ارتبط صوتها ببداية نشرات الأخبار عبر الإذاعة الحكومية، حتى غدت بمثابة النبض الزمني للبلاد.
وكشف الزهار أن الساعة تعرضت للتوقف ثلاث مرات فقط في أعوام 1976 و1992 و1994، لكنها عادت للعمل بفضل جهود كلية الهندسة التي أجرت عملية تجديد شاملة أعادت إليها الحياة في أبريل 2018، لتستمر شاهدًا على الماضي وفاعلًا في الحاضر.
وتطرق الزهار إلى برج ساعة غزل المحلة بمحافظة الغربية، مؤكدًا أنه لا يقل أهمية عن ساعة جامعة القاهرة، وتم بناؤه عام 1947 في عصر طلعت حرب ليكون رمزًا للنهضة الصناعية المصرية. وأوضح أن البرج شُيّد بارتفاع يبلغ 90 مترًا بواسطة شركة "جليت آند جونسون" الإنجليزية، تحت إشراف مهندسين مصريين وأجانب، ليصبح ثاني أقدم ساعة بعد "بيج بن".
وأكد أن برج الساعة بالمحلة لم يكن مجرد بناء معماري، بل كان بمثابة قلب نابض للمدينة الصناعية، حيث اعتاد الأهالي على دقات أجراسه في السابعة والنصف صباحًا كنداء لبداية يوم العمل. ولفت إلى أن المصريين أولوا اهتمامًا خاصًا بالبرج منذ إنشائه، فتولوا صيانته والمحافظة عليه لضمان استمرار عمله كمعلم يزين المدينة وشاهد على تاريخها الصناعي والاجتماعي.