بعد افتتاح المتحف المصري الكبير وما يضمه من كنوز فريدة من الحضارة المصرية القديمة، تصاعدت المطالب بضرورة استعادة الآثار المصرية المنتشرة في متاحف العالم، وإعادتها إلى موطنها الطبيعي في مصر.
وفي هذا السياق، واصلت مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، التابعة لعالم الآثار المصري الشهير الدكتور زاهي حواس، حملاتها الداعية إلى عودة أبرز القطع الأثرية المصرية، وعلى رأسها حجر رشيد ورأس نفرتيتي.
وتمكنت الحملة حتى الآن من جمع أكثر من 315 ألف توقيع للمطالبة بعودة حجر رشيد، و108 آلاف توقيع لاستعادة رأس نفرتيتي، مع سعيها للوصول إلى مليون توقيع خلال الفترة المقبلة.
وفق الأرقام الرسمية التي أعلنت عنها وزارة السياحة في العام 2019 فإن هناك 32 ألفا و 638 قطعة أثرية اختفت من مخازن وزارة الآثار المصرية على مدار عدة عقود.
حصر القطع المفقودة
وقالت الوزارة إنها تقوم بحصر القطع المفقودة للوقوف على قائمة بجميع المفقودات على مدار عشرات السنوات السابقة حتى يمكن تتبعها مع الإنتربول الدولي وغيرها من الجهات ذات الشأن لاستردادها.
وذكرت الوزارة أن 95% من الرقم المذكور يمثل قطعاً أثرية لم تدخل المخازن لوزارة الآثار، كما أن المفقودات منها تمثل القطع المفقودة على مدار أكثر من 50 سنة مضت، وكان آخرها وأحدثها تلك القطع التي تم سرقتها خلال حالة الانفلات الأمني التي سادت البلاد في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.
ويبقى السؤال: هل تعود الآثار المصرية المنهوبة إلى مصر لتعرض داخل المتحف الكبير الذي يعد أيقونة الحضارة والهوية المصرية؟
قطع مستردة حديثاً من هولندا وأميركا
بالفعل بدأت مصر في استعادة آثارها المنهوبة، وفي خطوة عملية على الطريق لذلك ، أعلنت الخارجية المصرية في بيان لها، أمس الخميس، أنها سلّمت وزارة السياحة والآثار 36 قطعة أثرية مستردة من أميركا ، كانت قد خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة.
وقد تم استرداد تلك القطع على ثلاث مجموعات رئيسية، تضمنت إحداها 11 قطعة أثرية صادرتها السلطات الأميركية في نيويورك، وتم تسليمها إلى القنصلية المصرية هناك.
وفي الوقت نفسه، أعلن رئيس الوزراء الهولندي ديك سخوف، خلال زيارته الرسمية إلى القاهرة، أن هولندا ستعيد إلى مصر تمثالاً أثرياً يعود عمره إلى نحو 3500 عام، في بادرة جديدة تعكس اعترافًا دولياً متزايداً بحق مصر في استعادة تراثها.
قضية تمس السيادة الثقافية
ويقول الدكتور أيمن وزيري، أستاذ ورئيس قسم الآثار المصرية القديمة بكلية الآثار بجامعة الفيوم، لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، إن مصر تمتلك حقاً أصيلاً في استرداد آثارها الموجودة خارج البلاد، استناداً إلى القوانين والمواثيق الدولية، مؤكداً أن القضية تمس السيادة الثقافية والوطنية، وتشكل واجباً إنسانياً لحماية التراث المصري.
وأوضح وزيري أن الأساس القانوني لهذا الحق يستند إلى مبدأ السيادة الوطنية على الممتلكات الثقافية الوارد في القانون الدولي العام، والذي يؤكد أن لكل دولة ملكية كاملة على تراثها داخل حدودها، ولا يجوز لأي دولة أخرى امتلاك أو عرض آثار تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة.
وأضاف أن حق المطالبة بالآثار لا يسقط بالتقادم، إذ تعد تلك الممتلكات جزءاً من هوية الشعوب وذاكرتها التاريخية، وبالتالي لا يمكن التنازل عنها مع مرور الزمن.
لا تسقط بالتقادم
وأشار وزيري إلى أن هناك اتفاقيات دولية رئيسية تدعم هذا الحق، أبرزها اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في أوقات النزاع المسلح، واتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تحظر الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وتمنح الدول الأطراف الحق في المطالبة برد القطع المنهوبة والمهربة بعد عام 1970، وهي الاتفاقية التي انضمت إليها مصر عام 1973.
كما أوضح أن اتفاقية اليونيدروا لعام 1995 تلزم المتاحف والمقتنين من الأفراد بالتحقق من مصدر القطع الأثرية قبل اقتنائها، كما تطالب بتوافر آليات قانونية واضحة لإعادة الممتلكات الثقافية المسروقة حتى لو كانت في حيازة أفراد أو مؤسسات خاصة.
ولفت وزيري إلى أن الممارسات الدولية الحديثة باتت تعترف بحق الدول في استعادة تراثها المنهوب باعتباره جزءاً من العدالة التاريخية، مستشهداً بتجارب ناجحة لدول مثل اليونان ونيجيريا والعراق، مؤكداً أن المتاحف العالمية الكبرى، مثل المتحف البريطاني واللوفر، أصبحت تواجه ضغوطاً أخلاقية ودبلوماسية متزايدة لإعادة القطع التي خرجت من بلدانها الأصلية بطرق مشبوهة.
استعادة آلاف القطع
وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور أحمد بدران، أستاذ الآثار المصرية بجامعة القاهرة، لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، أن مصر حققت إنجازات غير مسبوقة في ملف استرداد الآثار خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن الدولة أولت هذا الملف اهتماماً كبيراً من خلال تشكيل إدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار، والمسؤولة عن رصد وتتبع أي أثر مصري يعرض في المزادات والمتاحف الخارجية، وتوثيق كيفية خروجه من البلاد.
وأشار بدران إلى أن مصر نجحت خلال السنوات السبع الماضية في استعادة آلاف القطع الأثرية من مختلف دول العالم، بينها قطع نادرة ذات قيمة تاريخية كبيرة، ومن أبرزها التابوت المذهب للكاهن نجم عنخ، الذي يعود إلى العصر البطلمي، وكان قد خرج من مصر عقب ثورة يناير 2011، وبيع لمتحف المتروبوليتان الأميركي مقابل 4 ملايين دولار.
صورة لكيم كارداشيان كشفت الأمر
وقد بدأت القصة حين ظهرت النجمة الأميركية كيم كارداشيان في صورة بجوار التابوت داخل المتحف، ما أثار الشكوك حول مصدره، لتبدأ السلطات المصرية تحقيقاً أثبت خروجه بطرق غير شرعية، وتم تقديم المستندات القانونية للمدعي العام في نيويورك الذي أمر بإعادته إلى مصر، حيث يعرض حالياً في المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط.
وأضاف بدران أن مصر تمكنت أيضاً من استعادة "التابوت الأخضر" من متحف هيوستن بالولايات المتحدة الأميركية، فضلًا عن عودة العديد من القطع الأثرية من الولايات المتحدة، وإسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وبريطانيا، وذلك بفضل التعاون الدبلوماسي والثقافي وتفعيل الآليات القانونية الدولية.