مع تصاعد التحذيرات من مبيدات حشرية تتواجد في منازل المصريين وتحولها إلى "أدوات للموت"، خاصة في الريف، عاد ملف ما يُعرف بـ"حبوب الغلة" ليتصدر واجهة الاهتمام البرلماني في البلاد.
فيما تزايدت في الآونة الأخيرة مطالبات برلمانية وشعبية بتشديد الرقابة على تداول الحبوب القاتلة، خاصة في ظل سهولة الحصول عليها وانخفاض سعرها، ما جعلها في متناول الجميع دون ضوابط كافية.
في هذا السياق، تقدمت عضو لجنة القوى العاملة في مجلس النواب، النائبة بثينة أبوزيد، بطلب إحاطة إلى وزير الزراعة، حذرت خلاله من الانتشار المتزايد لتلك الحبوب في الدكاكين الريفية، مشددة على أن استمرار بيعها بهذه الصورة يمثل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين، ما يستوجب تحركاً عاجلاً لضبط الأسواق وتغليظ العقوبات على المخالفين.
مادة شديدة السمية
من جانبها، كشفت أستاذة علم السموم بجامعة دمياط، أميرة إمام، في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت/الحدث.نت"، أن حبوب الغلة تعد من أخطر المواد السامة المتداولة، ولها سجل طويل من الضحايا نظراً لسرعة وخطورة تأثيرها داخل جسم الإنسان. وأوضحت أن هذه الأقراص تحتوي على مادة "فوسفيد الألومنيوم"، وهي مادة شديدة السمية تستخدم في الأصل كمبيد لحفظ الغلال والحبوب من الآفات، لكنها تتحول إلى خطر قاتل عند ابتلاعها، إذ تتفاعل فوراً مع حمض المعدة أو أي سوائل في الجسم، مطلقة غاز الفوسفين السام، الذي يؤثر بشكل مباشر على الخلايا الحيوية.
كما أضافت إمام أن غاز الفوسفين يتسبب في تدمير واسع داخل الجسم خلال وقت قصير، حيث يؤدي إلى فشل حاد في وظائف القلب، واضطراب شديد في الدورة الدموية، وهبوط حاد في ضغط الدم، فضلاً عن تأثيره المدمر على الرئتين والكبد والكلى، مبينة أنه يسبب تآكلاً والتهابات شديدة في جدار المعدة، ما يجعل فرص النجاة محدودة للغاية حتى مع التدخل الطبي السريع، في ظل عدم وجود ترياق فعال مضاد لتأثيره.
سهولة تداولها
كذلك أكدت أن خطورة هذه الحبوب لا تقتصر على سميتها فحسب، بل تمتد إلى سهولة تداولها ورخص ثمنها، ما يجعلها متاحة دون قيود في بعض المحال داخل القرى والمناطق الريفية، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة.
وختمت مشددة على أن حظر تداولها خارج الإطار الزراعي المنظم يعتبر خطوة ضرورية لحماية الأرواح، مطالبة بقصر صرفها على المزارعين عبر منظومة رقابية محكمة، مثل الكروت الزراعية أو التصاريح المعتمدة، ومنع بيعها في الدكاكين أو المحال غير المرخصة.
انهيار مفاجئ في الدورة الدموية
بدوره، قال أخصائي الباطنة والطوارئ والحالات الحرجة، حاتم عبد الحق، في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت/الحدث.نت"، إن حبوب الغلة تعد من أخطر حالات التسمم التي تستقبلها أقسام الطوارئ، بسبب سرعة تدهور الحالة الصحية للمصاب خلال فترة قصيرة، موضحا أن المادة الفعالة تتحول داخل المعدة إلى غاز شديد السمية، ما يؤدي إلى انهيار مفاجئ في الدورة الدموية وهبوط حاد في ضغط الدم، إلى جانب اضطراب خطير في ضربات القلب قد يصل إلى توقف عضلة القلب.
وأشار عبد الحق إلى أنه غالباً ما يصل المريض وهو يعاني من قيء مستمر، وآلام حادة في البطن، وضيق في التنفس، وعلامات صدمة تسممية تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً، مبيناً أن التعامل مع هذه الحالات يعتمد على سرعة نقل المصاب إلى المستشفى وتقديم رعاية داعمة مكثفة، تشمل دعم التنفس، وضبط ضغط الدم، ومتابعة وظائف القلب والكلى،
كما أكد أن عدم وجود ترياق مباشر يزيد من خطورة الوضع ويرفع نسب الوفيات، مشدداً على أن الخطر لا يقتصر على من يتناول هذه الأقراص، بل قد يمتد إلى المحيطين به نتيجة انبعاث الغاز السام، ما يستدعي تشديد الرقابة على تداولها ومنع بيعها خارج الإطار الزراعي المنظم.
يذكر أن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة محاولات انتحار بحبوب الغلة خاصة في محافظات الوجة البحري. فيما قالت الأستاذة بالمركز القومي للسموم في جامعة الإسكندرية، مها غنيم، في تصريحات سابقة لوسائل إعلام محلية، إن البحيرة تعد أعلى المحافظات وفقاً للإحصائيات، وهي الأولى في نسب الانتحار بحبوب الغلة، مشيرة إلى أن نسب الوفيات بالانتحار عن طريقها وصلت لـ90% خلال السنوات الماضية.