في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في منظومة الأمن القومي المصري، يفتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مساء السبت المقر الجديد لقيادة الدولة الاستراتيجية "الأوكتاغون" بالعاصمة الإدارية الجديدة، في حدث يُنظر إليه باعتباره تدشيناً لمنظومة سيادية متطورة تمثل نقلة غير مسبوقة في آليات القيادة والسيطرة للقوات المسلحة المصرية.
ويؤسس "الأوكتاغون" لمرحلة جديدة في فلسفة إدارة الأزمات والعمليات العسكرية المعقدة، عبر توظيف أحدث التقنيات والأنظمة المتقدمة، بما يعزز جاهزية الدولة وقدرتها على التعامل مع تحديات المستقبل.
دلالات الرقم 8
واستلهم المقر اسمه من تصميمه الهندسي الفريد، الذي يقوم على ثمانية مبانٍ رئيسية مترابطة تحيط بمبنيين مركزيين، ليشكل صرحاً معمارياً مثمناً يدمج بين إرث الهوية المصرية وعصر الرقمية الشاملة. حيث يرتبط الرقم 8 بدلالات خاصة في الحضارة المصرية القديمة، إذ تشير بعض القراءات الهندسية إلى ظهوره في الأوجه الثمانية للهرم الأكبر من خلال تفاعل الضوء والظل، كما يمتد حضوره إلى العمارة الإسلامية عبر النجمة الثمانية، التي ترمز إلى النظام والتوازن والدقة.
فيما كشف عسكريون وبرلمانيون لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت" عن الأبعاد الاستراتيجية لهذا الصرح الجديد، إلى جانب الرمزية الكامنة وراء اختياره التصميم الثماني.
قيادة موحدة
وأكد مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء أركان حرب ياسين طاهر، أن "الأوكتاغون" صمم لتحقيق هدف استراتيجي رئيسي يتمثل في إنشاء منظومة قيادة وسيطرة موحدة، موضحاً أن المباني الثمانية تضم الأفرع الرئيسية والإدارية للقوات البرية والبحرية والجوية وقوات الدفاع الجوي، فيما تتمركز القيادة العليا للدولة، بشقيها السياسي والعسكري، في قلب المجمع.
كما أوضح اللواء العسكري، أن جميع هذه المقرات ترتبط عبر ممرات داخلية وأنظمة اتصال متقدمة تتيح تدفق المعلومات بصورة لحظية، بما يسرع عملية اتخاذ القرار بدرجة عالية من الدقة، وينهي بشكل كامل مفهوم العمل المنفصل أو "الجزر المعزولة" في إدارة شؤون الدولة. وأضاف أن اختيار التصميم الثماني يستند إلى اعتبارات استراتيجية ورمزية في آن واحد، إذ يعكس مفاهيم التوازن والقوة والردع المعنوي المستوحاة من التاريخ المصري، إلى جانب أبعاده التقنية المرتبطة بإدارة حروب المستقبل.
كذلك أشار إلى أن المشروع يمتد على مساحة تقارب خمسة ملايين متر مربع، ويجرى تأمينه جغرافياً وعسكرياً لمواجهة مختلف التهديدات التقليدية والسيبرانية والاستخباراتية، ليشكل منصة استراتيجية متكاملة تضمن استمرارية إدارة الدولة في أوقات السلم والحرب، خاصة أنه يضم مراكز البيانات التي تمثل القلب الرقمي لمنظومة الدولة الحديثة.
استشراف الأزمات
من جانبه، أكد عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشيوخ، اللواء الحسن عباس، أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم فرضت ضرورة امتلاك أدوات متطورة لاستشراف الأزمات والتعامل معها قبل وقوعها، وهو ما تجسد في إنشاء هذا المركز الاستراتيجي الذي يجمع مختلف عناصر إدارة الدولة في منظومة موحدة.
كما أوضح عباس أن كلمة "أوكتا" ذات أصل يوناني وتعني الرقم ثمانية، مشيراً إلى أن التصميم المعماري للمقر يعكس تداخلاً بين ثلاث طبقات رئيسية من الهوية المصرية، وهي الحضارة المصرية القديمة، والتراث المعماري الإسلامي، والتطور التكنولوجي الحديث، بما يؤكد استمرارية الشخصية المصرية عبر مختلف العصور.
حروب المستقبل
إلى ذلك، شدد على أن القيمة الحقيقية لـ"الأوكتاغون" لا تكمن فقط في ضخامته المعمارية، وإنما في الفلسفة العملياتية والتنسيقية التي يقوم عليها، والتي تسهم في رفع كفاءة توحيد المعلومات وإصدار القرارات والأوامر العسكرية بما يتوافق مع متطلبات حروب الأجيال الحديثة والتحديات الإقليمية الراهنة. وأشار إلى أن المقر يمثل اليوم قلعة استراتيجية متكاملة، تضمن استمرارية إدارة العمليات بكفاءة عالية، وتحقق مستوى غير مسبوق من التكامل والتنسيق بين أفرع القوات المسلحة المصرية، التي كانت تعمل سابقاً من مواقع متفرقة.