يناير.. شهر الاحتجاجات الشعبية في تونس

المصدر: تونس - منية غانمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

يناير آخر شديد السخونة تعيشه تونس، بعد بدء احتجاجات اجتماعية ضد الغلاء المعيشي في عدة مدن تونسية لا تزال متواصلة إلى اليوم، أعادت الذاكرة إلى أحداث مضت تشابهت في مطالبها وفي توقيتها، فالشهر الأول في مهد الربيع العربي عادة ما يقترن بحراك اجتماعي يخيف السلطة منذ فترة حكم الزعيم الحبيب بورقيبة، مرورا بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، وصولا إلى الحكومات التي تعاقبت على البلاد بعد الثورة.

وبالرجوع إلى تاريخ تونس، عرف شهر يناير أبرز التحركات الاحتجاجية والانتفاضات التي شهدتها البلاد وكانت المطالب الاجتماعية القاسم المشترك بينها، ويرجع الباحث في التاريخ المعاصر خالد عبيد ارتباط هذا الشهر بالاحتجاجات الشعبية إلى حالة الفراغ والعطالة التي يعيشها العديد من التونسيين في هذا الشهر، خاصة في المناطق الداخلية التي يعيش أغلب سكانها على الأنشطة الفلاحية، والتي يبدأ جني محاصيلها مع بداية فصل الربيع.

وأوضح عبيد لـ"العربية.نت" أن النشاط الفلاحي والاقتصادي يتراجع في شهر يناير بسبب انتهاء موسم البذر الذي يوفر مواطن شغل للعديد من الناس، ما يجعل الفلاحين يعيشون نوعا من الفراغ والانتظار ينتج عنه تراجعا لمداخيلهم المالية، هو ما يدفعهم إلى الخروج للاحتجاج ضد الغلاء وللتنديد بأوضاعهم المعيشية الصعبة وإلقاء اللوم على السلطة، موضحا أن تكرّر هذه الاحتجاجات في شهر يناير منذ التاريخ السياسي المعاصر، أصبح ما يشبه العادة التي يلعب فيها الجانب النفسي لدى التونسي دورا مهما.

ومن أبرز الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها خلال السنوات الماضية نذكر:

ثورة الاستقلال في تونس انطلقت يوم 18 يناير 1952 وهي التي يحتفل بها سنويا بعد أن تم إعلان يوم 18 يناير من كل عام عيدا للثورة، وذلك منذ استقلال البلاد عام 1956. وانطلقت تلك الثورة في شوارع تونس وأريافها حيث قرر الحزب الاشتراكي الدستوري وقتها تحت زعامة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة شن مظاهرات يومية وعمليات المقاومة من أجل استقلال البلاد وحرية أبنائها.

ويقول المؤرخون إن ثورة 18 يناير 1952 في تونس كانت لها تداعياتها لاحقا في شمال إفريقيا حيث شهد يوليو من نفس السنة ثورة في مصر، ثم شهد المغرب انطلاق ثورة الاستقلال عام 1953 وفي نوفمبر 1954 انطلقت ثورة التحرير في الجزائر.

كانت عشريّة السّبعينات مثقلة بالأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في تونس وتفاقمت الأزمة بوصول المفاوضات بين حكومة الهادي نويرة والاتحاد العام التونسي للشغل إلى طريق مسدود، وتأزم الوضع أكثر باعتقال الكاتب العام للاتحاد الجهوي بمحافظة صفاقس عبد الرزّاق غربال يوم 24 يناير 1978. وبعد يومين فقط من اعتقاله، دعا الحبيب عاشور أمين عام اتحاد الشغل في اجتماع عام بساحة محمّد علي إلى الإضراب العام، واندلعت مواجهات عنيفة بين المجتمعين وبين قوات الأمن التي طوّقت مقر المركزية النقابية، وعلى إثر ذلك انطلقت مظاهرات وأعمال عنف وتحرّكات احتجاجية عارمة وعاشت العاصمة انفلاتا أمنيّا غير مسبوق الأمر الذي دفع بالرئيس آنذاك الحبيب بورقيبة الى اعلان حالة الطّوارئ في البلاد وحظر التجوّل في العاصمة، لم يتم رفعه إلاّ في 20 مارس 1978 بمناسبة إحياء عيد الاستقلال.

وكانت حصيلة أحداث ذلك اليوم الذي يصفه المؤرخون بـ"الخميس الأسود"، اعتقال 500 نقابي من بينهم الأمين العام الحبيب عاشور وتقديمهم للمحاكمة بتهمة التحريض والتآمر على النّظام، وتراوحت الأحكام الصادرة ضدهم بين ستّة أشهر وعشر سنوات أشغالا شاقّة.

اندلعت على إثر قرار حكومي في أواخر ديسمبر 1983 بالرفع بنسبة 70% من ثمن العجين ومضاعفة ثمن الخبز، وبدأت الاحتجاجات من مدن الجنوب التونسي، ومع إعلان وزارة الداخلية يوم 2 يناير عن سقوط قتلى وجرحى بين المتظاهرين، توسعت الاحتجاجات واجتاحت مناطق الشمال والوسط الغربي رفضا لإلغاء الدعم عن العجين ومشتقاته، وتعبيرا عن عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتخبط فيها البلاد، الأمر الذي أدى إلى تدخل الجيش، ولم تتوقف الأحداث إلا بعد إعلان الرئيس الحبيب بورقيبة يوم 6 يناير 1984 إرجاع الأسعار إلى ما كانت عليه.

ولم تحد البلاد عن القاعدة، حتى إبان حكم الرئيس زين العابدين بن علي، وبقي شهر يناير هو شهر الغضب في تونس، عندما اندلعت انتفاضة في منطقة الحوض المنجمي الغنية بالفسفاط في محافظة قفصة جنوب غربي البلاد، إثر إعلان نتائج انتداب أعوان وكوادر شركة فسفاط قفصة التي وصفها الأهالي بالخاضعة للمحسوبية، واجهتها قوات الأمن بالقمع وبحملة اعتقالات في حق متظاهرين ونقابيين من بينهم البرلماني الحالي عدنان الحاجي وناشطون، واستمرّ التوتر طيلة ستة أشهر كاملة.

اندلعت الاحتجاجات في سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر تعاطفا مع البائع المتجوّل الشهيد محمد البوعزيزي الذي أقدم على الانتحار حرقا بعد حجز بضاعته من قبل الشرطة البلديّة، وانتقلت شرارتها إلى كافة المدن التونسية بعد سقوط عدد من القتلى والمصابين برصاص قوات الأمن، وخرجت مظاهرات وطنية عارمة تطالب بالتنمية والتشغيل بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للتونسيين، لم تنته إلا مع إعلان نهاية 23 سنة من حكم بن علي يوم 14 يناير 2014.

وكما يذكر العالم فإن 14 يناير 2011، شهد سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس، هو منطلق ما عرف بالربيع العربي حيث كانت له آثاره في مصر ثم ليبيا وسوريا واليمن.

بعد 5 سنوات من الإطاحة بنظام بن علي، عاد التونسيون مجددا إلى الشارع للاحتجاج على بقاء أوضاعهم الاجتماعية على حالها، واندلعت احتجاجات في محافظة القصرين يوم 16 يناير، بعد إقدام الشاب رضا اليحياوي على إنهاء حياته احتجاجا على إقصائه من قائمة المرشّحين للوظيفة العموميّة والإصرار على إطالة فترة بطالته من قبل المسؤولين المحليّين، وامتدت إلى محافظات أخرى طالبت بحصتها من التنمية والمشاريع، قبل أن تتدخل الحكومة التي يقودها آنذاك الحبيب الصيد لامتصاص الغضب الشعبي وتهدئة الأوضاع عبر الإعلان عن انتداب آلاف الشباب المعطلين.

وتستعد تونس نهاية الأسبوع الحالي، لإطفاء سابع شمعة لثورتها، بعد أن تجنبت سيناريوهات كارثية شهدتها المنطقة ونجحت في تفادي الغرق في الفوضى، بعد أن تمكنت في عدة مناسبات من امتصاص غضب الشارع ، لكنها اليوم تواجه احتقانا اجتماعيا في الداخل في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة الذي تقابله نسبة نمو سالبة جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة، وتعيش كذلك سياقا إقليميا صعبا في ظل استمرار عدم الاستقرار في ليبيا والذي نتج عنه تقلّص المبادلات التجارية بين البلدين وعدم عودة العمالة التونسية إلى ليبيا، إضافة إلى قرار السلطات الجزائرية وقف توريد آلاف المنتجات من الخارج والتي كان بعضها يأتيها من جارتها تونس، وهو واقع يجعل مستقبل البلاد مفتوحا على عدة سيناريوهات.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط