في مطلع شهر مايو الحالي، رحلت أيقونة فن "الديوان" الجزائرية حسنة البشارية عن عمر يناهز 74 عاماً في مسقط رأسها بمدينة بشار بجنوب غرب الجزائر، تاركةً وراءها مسيرة فنية ممتدة لأكثر من 30 عاماً، بدأتها من الصحراء الجزائرية وصولاً إلى العالمية.
هذه المسيرة الثرية روت تفاصيلها "فنانة الروك الصحراوي" لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت" بنفسها قبل أيام من وفاتها وذلك في مقابلة حصرية بمنزلها في مدينة بشار الجزائرية، لتكون بذلك آخر إطلالة إعلامية لحسنة البشارية.
لمدينة بشار سحر أسر الفنانة حسنة، وقد بدا ذلك جلياً في تفاصيل حياتها، إذ أخذت اسمها الفني من مدينتها التي ولدت بها عام 1950 وتوفيت بها بعد 74 عاماً، وقد لازمها هذا الاسم منذ نشر ألبومها الأول عام 1999 في باريس، وحين قابلناها في بيتها اختارت أن تعرف نفسها بهذه العبارات "أنا هي حسنة ابنة مدينة بشار".
لم يكن ولع عازفة "الغمبري" بالموسيقى من فراغ بل لأنها ولدت لأب كان "مقدم" فرقة القناوي، أما جدها فقد كان عازفاً، ومنهما اكتشفت عالم الموسيقى في قرية تنعدم فيها الحياة أيام الاستعمار الفرنسي، فصارت الموسيقى ملجأها الوحيد.
وعن بداياتها، قالت حسنة البشارية: "أنا عصامية ولم يعلمني أي أحد، كنت أقضي معظم أيامي بالقرب من أبي في حفلات الديوان أينما كانت، لكي أشاهد عزفه على آلة الغمبري، دون علمه، وحينما ينتبه لوجودي يقول لي: اذهبي للمطبخ لتحضير الكسكس، فأقول: إني أشاهد فقط. ثم يحذرني قائلاً: لو تلمسي الغمبري سأعاقبك".
لقد كان العزف على آلة الغمبري محرم على النسوة حسب الأعراف آنذاك، لكن شغف حسنة بتلك الآلة جعلها تقلد صوت العزف بفمها، ولم يتوقف الشغف هناك بل قالت: "استطعت أن أصنع آلة الغمبري بنفسي من الخشب المحفور وبعض المسامير، في محلة أبي، مقلدةً الغمبري الخاص به، لكن لم أنجح في ذلك فقد كان صوته أشبه بالغيتار، لأنني قمت بتركيب أوتار من دولاب دراجة ظناً مني أنه الصواب، لكنني نجحت في المحاولة الثانية وأصبح يعزف مثل الغمبري تماماً" إلا أن صاحبة رائعة "جزائر جوهرة" لم تواصل العزف على الآلة التي صنعتها مخافة أن يمسكها والدها ويعاقبها.
مرّت السنوات، واحترفت حسنة العزف على آلة الغمبري متحديةً أعراف منطقتها، بل وصارت المرأة الوحيدة في الجزائر التي تعزف على هذه الآلة، بعد أن كانت مجرد هاوية مغرمة بصوت الغمبري، وأصوات بعض المغنين العالميين أمثال: إنريكي إيغليسياس، فرونسفواز اردي، بوب مارلي، وجيمس برون، وألفا بلوندي، وهي لا تعلم أن صوتها أيضاً سيغزو العالم في المستقبل القريب.
شكّلت "حسنة حسني" رفقة صديقاتها فرقة موسيقية للغناء في الأعراس من أجل كسب المال لعلاج والدتها المصابة بالعمى ومرض السكري، فاشتهرت الفرقة محلياً وزادت شهرة نجمة الفرقة حسنة، فانتقلت إلى باريس سنة 1999، حيث مكثت ثماني سنوات غيرت مجرى حياتها ومسارها الفني، إذ نشرت ألبومها الأول هناك، كما أصدرت أشهر أغانيها "جزائر جوهرة"، محدثةً ضجة في الجزائر والعالم. وقالت عن هذه التجربة: "لمّا ذهبت إلى باريس لإحياء حفل وجدت المكان مكتظاً عن آخره وفي انتظاري جمع غفير من الجماهير، رغم أنني كنت مبتدئة في الغناء.. في اليوم الموالي تصدّر اسمي الجرائد الفرنسية على غرار: لوموند، ليبارتي، ولوسوار".
ختمت حسنة الحوار معنا وفي قلبها حسرة على حلم لم يتحقق، فقالت: "كان عليهم أن لا يفرطوا بي، لقد طلبت مرات ومرات أن يمنحوني مقراً مجهزاً بآلات موسيقية لكي أعلم الصغير والكبير، لكن للأسف لم يتحقق هذا الحلم". وها قد رحلت أيقونة الفن القناوي حسنة البشارية للأبد خلال جولاتها الفنية الأخيرة ببشار بسبب ارتفاع في ضغط الدم.