كثفت الجزائر من برامجها الاقتصادية والاجتماعية لاستعادة أدمغتها التي تشغل أرقى المناصب في الخارج، وذلك في خطوة لتنفيذ خطة هجرة معاكسة للاستفادة من كفاءات في مختلف المجالات، كالصحة والصناعة والتكنولوجيات الحديثة وغيرها.
في خطوة لمواجهة استفحال ظاهرة الهجرة غير القانونية لآلاف الشباب الذين يغادرون البلد بحراً، تسعى الحكومة في الجزائر إلى استقطاب كفاءاتها، من خلال عرض عليهم مختلف التسهيلات والامتيازات، وتوفير لهم جو عمل واستثمار ملائم لإطلاق مشاريعهم أو المشاركة في التنمية المحلية اجتماعيا واقتصاديا.
وتتالت اللقاءات بين المسؤولين الجزائريين وبين الجالية الجزائرية في الخارج، لشرح "خطة الجزائر" في استعادة أدمغتها، ومن ذلك اجتماعات عقدت خلال الأيام الماضية مع كل من الأطباء الجزائريين والمستثمرين وكذا المختصين في المجالات التكنولوجية، والسياحة، بالإضافة إلى لقاءات أخرى مكثفة مع حاملي مشاريع في الصناعة والشركات الناشئة.
من ذلك إشراف كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالجالية الوطنية بالخارج سفيان شايب بمقر وزارة الشؤون الخارجية، رفقة وزير اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة نور الدين واضح، على لقاء تفاعلي ضم مجموعة من أفراد الجالية الجزائرية من الذين جَسَّدوا مشاريع استثمارية ناجحة بأرض الوطن أو من حاملي المشاريع الذين باشروا مراحل تجسيدها في صيغ مختلفة ومجالات متعددة، حيث تمت دعوتهم لتجسيد أفكارهم ومبادراتهم الاستثمارية داخل أرض الوطن، باستغلال مختلف الامتيازات الموجهة لهم".
ومن بين اللقاءات أيضا ذلك الذي تم عن بعد، بإشراف وزير الصحة محمد الصديق آيت مسعودان وكاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلّف بالجالية الوطنية بالخارج سفيان شايب، مع نخبة من الأطباء الجزائريين المقيمين في عدة بلدان أوروبية، حيث ناقش الطرفان سبل المشاركة في مواصلة تطوير منظومة الصحة، من خلال نقل التجارب الناجحة، ومشاركة المعارف والخبرات والمكتسبات في مختلف مشاريع التنمية الوطنية ذات الصلة بمجال الصحة".
الاستثمار بالجالية يجلب مليارات الدولارات
في هذا الشَّأن، أوضح الخبير الاقتصادي بلقاسم حداد، أن "الجزائر تملك واحدة من أكبر الجاليات المهاجرة في العالم، والتي تعتبر قوة مالية وبشرية كبيرة، ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة، فإنها تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويا".
وأضاف المتحدث لـ"العربية.نت" أن "ملايين الجزائريين الذين يعيشون في أوروبا وأميركا وآسيا، يملكون خبرات علمية وتقنية، من شأنها أن تساهم كثيرا في مسار التنمية في الجزائر، كونهم رأس مال بشري عالي الكفاءة".
واستدل حداد بـ"آلاف الكفاءات التي تشغل مناصب عالية في كبرى الشركات العالمية، حتى إنها تقود مشاريع ابتكارية في مجالات عدة، منها تلك التكنولوجية، ومجالات مختلفة أخرى، مثل الخدمات، الطاقة والصناعة، غير أن هذا العالم، أضاف حداد "مرتبط بمدى إيجاد آليات واقعية لربط هذه الطاقات بالجزائر، من خلال سياسات واضحة لجذب الكفاءات المهاجرة"، حيث اقترح "تبسيط الإجراءات الإدارية خاصة والتي لطالما شكلت عائقا أمام المستثمرين الأجانب أو الجزائريين، إضافة إلى ضرورة تقديم حوافز ضريبية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة".
دعوات لاسترجاع خسائر بمليارات الدولارات
بدوره، قال الأستاذ الجامعي يحيى بن سرور: "هجرة الأدمغة ليست ظاهرة جزائرية، ولكنها قاسم مشترك بين جميع الدول النامية، وهذا بسبب عدد من الظروف الاجتماعية، والفوارق التكنولوجية والثقافية بين الدول، حيث يكون هدف المهاجر الأول تحسين مستواه وإيجاد بيئة علمية تستوعب معارفه".
وأضاف المتحدث في تصريحه لـ"العربية.نت"، قائلا: "إذاً فالبيئة هي من تحدّ من الطاقة الذهنية والفكرية والنّفسية والجسدية، حيث يعيش الباحث في بيئة غير مشجّعة، سواء من الجانب العلمي والمهني والمادي ثم الاجتماعي، ما يليه قرار بالرحيل والبحث عن بيئة مناسبة في مكان آخر".
وأضاف: "ما عاشته الجزائر خلال العشرية السوداء، والتي نعيش آثارها حتى الآن، ومن ذلك هروب جماعي للأدمغة في وقت كان الجميع منشغلا بالأزمة الأمنية التي أجلت أي سياسة لاستيعاب الجامعيين وتوفير لهم البيئة المناسبة للبحث والتطوير".
وعليه، دعا المتحدث إلى ضرورة "الاهتمام أكثر بهذه الفئة من الجزائريين، خاصة أن هناك أرقاماً تشير إلى أن الجزائر خسرت أكثر من 30 ألف باحث تمكنوا من الحصول على منح من الوزارة في الفترة ما بين سنتي 1970 و2010، أي في ظرف أربعين سنة فقدت الجزائر 50 بالمئة من العدد الإجمالي للباحثين والأساتذة الجامعيين والطلبة، فيما توجد أرقام أخرى رسمية قدمتها الوزارة، تفيد أنَّ هجرة الأدمغة والكفاءات الجزائرية نحو الخارج على مدار 40 سنة، كلفت الجزائر 700 مليون دولار أميركي، من تكاليف تكوين طلبة جامعيين وباحثين جزائريين تم إرسالهم إلى الخارج".