حافظ المغاربة عبر العصور على طقوس ثقافية وإنسانية متوارثة ارتبطت بالموسم الزراعي والجفاف. من أبرز هذه الطقوس "المعروف المغربي"، الذي يعكس قيم التضامن والتكافل الاجتماعي ويجسد قدرة القرى على مواجهة تحديات الطبيعة.
يقوم الطقس على إعداد وجبة مشتركة، غالباً كسكس، تُقدّم في المسجد أو بيوت القرية. يجتمع السكان للدعاء وطلب رحمة الله ونزول المطر. تظهر روح التعاون والتضامن أيضاً في الأفراح والجنازات، ليصبح الطقس جسراً يومياً يعزز الروابط بين أفراد المجتمع.
الكسكس، في هذا الموروث الإنساني، ليس مجرد وجبة، بل صنيع جماعي لنساء البوادي، تكبيراً لله وطلباً للرحمة. تتساوى فيه كل الأجناس وتتداخل نكهات البيوت وروائح الأيادي التي قطعت الخضر وأعدّت القدر وهو يغلي، بعد أن جمعن كل ما يلزم لإعداد وجبة تصل إلى السماء والقلوب.
شاركت حسناء القورشي، صانعة المحتوى المغربية والمتطوعة في برامج دولية للتطوع وتبادل الثقافات، من منطقة لالة تكركوست في إقليم الحوز، تفاصيل تجربتها في المشاركة بطقس "المعروف" أو "الوزيعة" مع "العربية.نت". اعتبرت القورشي أن الطقس أحد أبرز الموروثات الثقافية في القرى المغربية ويجسد قيم التضامن والتكافل الاجتماعي.
قالت القورشي: "يقوم طقس المعروف على إعداد وجبة مشتركة، غالباً كسكس، تُقدّم في المسجد أو بيوت القرية، حيث يجتمع السكان للدعاء وطلب رحمة الله ونزول المطر. تُمارس هذه العادة أسبوعياً، وتظهر قيم التعاون والمشاركة في المناسبات الاجتماعية مثل الأفراح والجنائز".
وصف القورشي هذه العادة بأنها تعبير عن روح الجماعة وتماسك المجتمع القروي. أشارت إلى أن دورها كصانعة محتوى يهدف إلى تعريف العالم بهذه الطقوس الإنسانية وتسليط الضوء على قيمها الثقافية والاجتماعية.
في تصريح لـ"العربية.نت"، قال الأستاذ الباحث في الأنثروبولوجيا بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن طقس المعروف المنتشر في القرى المغربية، وخاصة في الجنوب الشرقي، يعد استمراراً لطقوس قربانية ضاربة في القدم. شكّل الدم والطعام المشترك عبر التاريخ وسيلة للتقرب من القوى الغيبية وتعزيز تماسك الجماعة.
يشير الأستاذ إلى أن هذا الطقس يتجسد اليوم في الوزيعة، التي تقوم على شراء العجل جماعياً، ذبحه، وتقسيم لحمه بين الأسر قبل إعداد وجبة مشتركة، غالباً الكسكس. شارك في تناولها الجميع، في ممارسة تهدف إلى تقوية الروابط الاجتماعية وتكريس قيم التضامن داخل القبيلة.
يؤكد أن للمعروف بعداً رمزياً آخر يتمثل في طلب الغيث ودرء الجفاف. كانت بعض القبائل تطوف بالعجل حول أضرحة الأولياء طلباً للبركة، قبل أن تتراجع هذه الممارسات بفعل تأثير الخطاب السلفي منذ الثمانينيات، الذي صنّفها ضمن الطقوس “القبورية”.
رغم تراجع المعروف الجماعي، يضيف الأستاذ أن الشكل الفردي منه المرتبط بالمناسبات العائلية لا يزال قائماً. يظل هذا الطقس جزءاً مهماً من التراث الاجتماعي الذي لعب دوراً محورياً في حماية تماسك المجتمع القروي المغربي.