"جبلة الأدهمية".. ما لا تعرفه عن هذه المدينة السورية

المصدر: العربية.نت – عهد فاضل
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

"جبلة" مدينة صغيرة على الساحل السوري، تتبع لمحافظة اللاذقية التي تبعد عنها، 35 كيلومتراً تقريبا. واكتسبت لقب "الأدهمية" في اسمها، فيقال "جبلة الأدهمية" كما يطلق عليها، عادة، واستعملت كثيرا، في أدبيات الثورة السورية.

وجبلة الأدهمية من إبراهيم بن أدهم. فمن هو هذا الشخص المسلم والمتصوف البارز الذي ارتبط اسمه بالمدينة الصغيرة الواقعة في قلب السهل الساحلي على البحر الأبيض المتوسط، في ضريحه المشهور هناك في جامع "السلطان إبراهيم" التاريخي الذي أصبح أبرز معالم المدينة التاريخية الإسلامية؟

من أولاد الملوك

والمتصوف إبراهيم بن أدهم وهو محدّث ثقة كما يجمع المصنفون، يكنى بأبي إسحاق، كما يرى "وفيات الأعيان" ويضيف بأنه ابن منصور بن زيد بن جابر العجلي. ويقال في نسبه "التميمي" فيما يتحدث عن أصله، في مراجع، بأنه ولد في منطقة "بلخ" التابعة لأفغانستان حالياً. ويُعرف له ابن أخت، هو ابن كناسة، محمد بن أبي عبد الله بن عبد الأعلى، تـ207ه، وهو من العالمين باللغة العربية والشعر.

ويقول وفيات الأعيان، إن إبراهيم بن أدهم "من أولاد الملوك" وعلى هذه الصيغة، سيظل إبراهيم بن أدهم، من سلالة ملوك في جميع المصادر العربية والإسلامية، والتي تتفق على أنه، ورث الملك، ثم زهد به، فترحل في بلدان كثيرة، آخرها في بلدات الشام، ومات فيها، في سنة 160 أو 161 و162 للهجرة، على اختلاف المراجع.

من بكر بن وائل

ويشار إلى أن إبراهيم بن أدهم، من بكر بن وائل، بحسب ما قاله صاحب "الكامل في التاريخ" إن ابن أدهم "ولِد ببلخ، وهو من بكر بن وائل".

وبحسب التعريف الرسمي له على مدخل الجامع المدفون فيه في مدينة جبلة، وهو جامع السلطان إبراهيم، فهو "أميرٌ من أفغانستان".

ويرد في "تاريخ دمشق" بأن ابن أدهم، هو رجل من العرب من بني عجل. وعلى خطى المصدرين السابقين، اتجهت غالبية خيوط نسب الرجل الذي تعلّق به، أهل "جبلة" كما تعلق به، أكبر واضعي المصنفات في التاريخ العربي والإسلامي، فكتبوا كل شيء عنه!
لقد كسب ابن أدهم، احترام كل مصنفي العربية الذين ترجموا له، فهو متصوّف إسلامي زهد بالملك، لكنه رجلٌ عامِلٌ بكل معنى الكلمة، مع أنه من أولاد الملوك، إلا أنه ما ترك مهنة يعيش من أجرها، إلا وعمل بها.

طحان وناطور وعجان

وعمل بن أدهم، طحاناً، وقام بالطحن، مقابل أجر. وعمل حصاداً، فكان يحصد القمح للناس، مقابل أجر. وكذلك عمل "ناظوراً" أو ناطوراً، على أملاك الآخرين، فحرس بساتين وأملاك الغير. وعمل حطاباً، فكان يحتطب ثم يبيع ما جمعه، ليشتري به ما يحتاج إليه. وإضافة إلى الطحن، عمل عجاناً، فكان يعجن لنفسه، ليأكل، ويعجن لغيره، مقابل أجر.

وتؤكد المصادر التاريخية، أن ابن أدهم، شوهد في مكة المكرمة، وهو يعجن، وشوهد في الشام وهو يعجن ويطحن وينظر، أو مخففة، ينطر، وهو حراسة الأملاك، ومنها مهنة "الناطور" الآن التي تُعنى بحماية العقارات والأراضي الزراعية والبساتين، مقابل أجر.

لم يكن إبراهيم بن أدهم، شخصية اعتاد القراء على نظراء لها، كما تؤكد المصادر. فهو من "أبناء الملوك" والشخص "المتصوف الزاهد" الذي يأكل "من عمل يده" إنما البارز في وصف بعض المصادر له، بأنه لم يتفوق على أصحابه "بصوم ولا بصلاة" ولكنه تفوق عليهم "بالصدق والسخاء" كما ينقل ابن عساكر، أي أن هذا الرجل كان يتحلى بأرقى الصفات الشخصية والسلوكية أيضا.

ورث الملك عن أُمّه

وينفرد الرحالة ابن بطوطة، في كتاب رحلته الشهير، بتحديد مصدر الملك الذي تخلى عنه ابن أدهم. ويقول في "تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" إنه زار مدينة "جبلة" اللاذقانية، وزار قبر ابن أدهم الواقع فيها، ويوضح أن إبراهيم بن أدهم "لم يكن من بيت ملك كما يظنه الناس، إنما ورث الملك عن جدّه أبي أمِّه، وأما أبوه أدهم، فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين" ما يفهم منه، أنه ورث الملك عن أمه، وأن أباه، سبقه إلى التزهد والتنسك، فكما لو أنه ورثه منه هو الآخر.

سيرة ابن أدهم، في المراجع الإسلامية، غنية بتفاصيل كثيرة عن حياته. منها نعرف أنه كان أميل لشقرة بشرة تعلوها حمرة، بحسب ما نقله صاحب تاريخ دمشق، عن رجل يسأل عن إبراهيم بن أدهم. ومن خلال تلك المصادر، يعرف أن بن أدهم، عندما زهد بالملك، سافر إلى الشام كله، ومنه دمشق وحماة وحمص وبيروت وجبل لبنان وعدد من بلدات فلسطين، وكذلك اللاذقية وجبلة وبانياس وقلعة "أرواد" التابعة لمحافظة طرطوس الساحلية.

دفنوه على ساحل البحر

أما الفصل الأخير، في حياة ابن الملوك، فهو وفاته. وتتحدث المصادر العربية والإسلامية المرموقة، عن أكثر من مكان لهذه الوفاة، وأكثر من مكان للدفن. فصاحب تاريخ دمشق، نقل أن إبراهيم بن أدهم "مات على ساحل البحر" ونقل رواية يقول صاحبها "فدفنّاه في بعض الجزائر من بحر الروم" أي البحر المتوسط الآن.

رواية أخرى تنقلها المصنفات العربية، تقول إن ابن أدهم مات سنة إحدى وستين ومائة للهجرة، وتم دفنه ببلدة اسمها "سوقين" قرب حصن على البحر المتوسط، فيما لم يعرف ما هي هذه المدينة بأي مكان تقع بالضبط. وورد في "طبقات الأولياء" مكان آخر بعيد كثيرا عن مدينة "جبلة" الساحلية، وهو مدينة "صور" اللبنانية التي قيل إنه حُمِل إليها، ودفن فيها.

نقل الجثمان ودفنه في "جبلة"

ويشار إلى أن تعدد روايات مكان دفن إبراهيم بن أدهم، تؤكد الترجيحات التي تحدثت عن نقل جثمانه إلى "جبلة" ودفنه فيها. إذ سبق ونقِل عن عبد الرحمن غلاونجي، مدير أوقاف مدينة جبلة، في عام 2008، قوله: "وأياً كان الوضع الذي وافت المنية فيه إبراهيم بن أدهم، يبدو أن جثمانه نقِل إلى مدينة جبلة" الأخيرة التي ارتبط اسمها به، تكريما له وتخليدا لهذه الشخصية المميزة، فصارت مدينة جبلة، جبلة الأدهمية.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط