لطالما كانت حماة إحدى أكثر المدن السورية التي شهدت مراحل من القمع السياسي والصمت المفروض على الحياة المدنية خاصة بعد أحداث الثمانينيات، حين اندلعت احتجاجات واسعة قمعتها الدولة بعنف غير مسبوق، خلّف آلاف القتلى والمفقودين إثر حملة أمنية سجلها التاريخ.
إلا أن الحال تغّيرت اليوم، إذ أفادت الباحثة الاجتماعية ديما زمزم، بأن ما حدث في حماة عام 1982 ليس مجرد ذكرى أليمة، بل جرح مفتوح أثّر في ثلاثة أجيال وأنتج خوفًا عميقًا من الفعل الجماعي أو حتى التعبير عن الرأي، وفق تعبيرها.
وأضافت أن هذا التاريخ المثقل بالصمت والخوف جعل من أي تعبير مدني أو تحرك شبابي أمرًا نادرًا بل مستحيلًا لعقود.
ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة "سوريون من أجل العدالة"، فإن نسبة النشاط المدني في حماة بين عامي 1982 و2010 لم تتجاوز 3% من مجمل النشاط الأهلي في البلاد.
لكن المدينة فتحت أبوابها اليوم في تطور غير مسبوق منذ أكثر من خمسين عاماً، حيث يشهد المجتمع المحلي فيها تحركاً مدنياً لافتاً تقوده فئة الشباب، وسط ظروف اجتماعية وسياسية معقدة.
وبدأت مجموعات من الشباب بتنظيم فعاليات مجتمعية، منها وقفات تضامنية مع قضايا إنسانية، وحملات توعية بيئية، وندوات ثقافية تناقش حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
بدوره، أفاد خالد الإبراهيم، مدير فريق "ستيب" الشبابي التطوعي في مدينة حماة، بأن ممارسة الأنشطة المدنية كانت ممنوعة تمامًا في ظل النظام السابق، حيث لم يكن يُسمح بأي شكل من أشكال التعبير عن الرأي أو مناصرة القضايا العامة.
وأوضح في حديثه لـ "العربية/الحدث.نت"، أن الواقع اليوم تغيّر بشكل جذري، موضحا أنه أصبح بإمكان السكان اليوم التعبير عن رأيهم بكل حرية وصراحة، من دون خوف أو رقابة.
وأشار إلى أن فريق "ستيب" الذي يضم مجموعة من الناشطين المجتمعيين، نفّذ خلال الفترة الماضية عددا من الأنشطة الخدمية في مدينة حماة، إلى جانب تنظيم فعاليات مدنية ومبادرات تعزز من السلم الأهلي والتماسك المجتمعي في سوريا، كما لفت إلى تنفيذ ورشات حوارية جمعت شبابًا من مختلف مكونات المجتمع المحلي.
الوعي الثقافي بعد سنوات التغييب
من جانبها، قالت ميسون رستناوي، وهي عضو مؤسس في منظمة "بركة" المجتمعية في حماة، إن سقوط النظام أتاح لهم المجال للعمل بحرية داخل المجتمع، بعد سنوات طويلة من المنع والتضييق.
وأوضحت في تصريح لـ"العربية/الحدث.نت"، أن هذه المساحة الجديدة من الحرية ساعدتهم على الانخراط الفعلي في الحياة المدنية، وتنفيذ عدد من المبادرات التي تهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين الأهالي ومدينتهم.
وسلّطت الرستناوي الضوء على إحدى هذه المبادرات، وهي أمسية ثقافية تراثية نظّمتها المنظمة مؤخرًا في منطقة الطوافرة الأثرية، بهدف التعريف بتاريخ حماة وموروثها الثقافي.
وعن دور وسائل التواصل في التحول المجتمعي، فأوضحت الناشطة المجتمعية شهد محمد أن التحول الملحوظ في نشاط المجتمع المدني بحماة يعود إلى جملة من العوامل، أبرزها الانفتاح النسبي الذي شهدته سوريا مؤخرا، إلى جانب الدور المتعاظم لوسائل التواصل الاجتماعي، التي وفّرت للشباب منبرًا آمنًا للتعبير، وأداة فعّالة لتنظيم المبادرات خارج الأطر التقليدية.
وفي حديثها لـ العربية/الحدث.نت"، أشارت محمد إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تمثل اليوم أداة حيوية في العمل المدني، سواء من حيث التنسيق أو نشر الأفكار.
وقالت إن دعوة إلكترونية واحدة كافية لجمع العشرات، بل أحيانًا المئات، من دون الحاجة لمقرات أو تمويل تقليدي، هذه الأدوات منحتنا مساحة حقيقية للتحرك بحرية وفعالية".
أيضا أوضحت روان الجزماتي، إحدى المشاركات في مبادرة رقمية للتوعية بحقوق المرأة، أنه ومن خلال منشور واحد، تمكن الفريق من الوصول إلى أكثر من 10 آلاف متابع في غضون أسبوعين.
الحكومة السورية تدعم الحراك
يذكر أن مراقبين يرون في هذه الظاهرة فرصة حقيقية لإعادة بناء الحياة المدنية في حماة على أسس جديدة من المشاركة والانفتاح.
كما أن عودة الشباب إلى ممارسة حقوقهم المدنية ليست مجرد خبر عابر، بل لحظة محورية تحمل بين طياتها إمكانية التغيير الحقيقي، وفق كلامهم، مؤكدين على أنها بداية لاستعادة ما سُلب من صوت المدينة، ورسالة واضحة بأن الأمل لا يزال ممكنًا، حتى بعد خمسين عاما من الصمت.