كانت رائحة الموت التي لا تخطئها الأنوف تفوح في الأجواء على طول الطريق الصحراوي السوري أربع ليال أسبوعياً على مدار عامين تقريباً.. إنها رائحة عشرات الآلاف من الجثث التي تنقلها شاحنات من مقبرة جماعية إلى أخرى في موقع سري.
كان ممنوع على السائقين مغادرة سياراتهم بينما أقسم الميكانيكيون ومشغلو الجرافات على التزام الصمت، فقد كانوا يعلمون جيداً أنهم سيدفعون حياتهم ثمناً للتحدث علناً. كانت أوامر "عملية نقل الأتربة" شفهية فقط وأشرف عليها ضابط سوري برتبة عقيد، قضى ما يقرب من عقد من الزمن في دفن قتلى الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
صدرت أوامر نقل الجثث من القصر الرئاسي. وأدار العقيد، المعروف باسم "أستاذ التطهير"، العملية من 2019 حتى 2021.
كانت المقبرة الأولى، في بلدة القطيفة بريف دمشق، تضم خنادق مليئة برفات أشخاص ماتوا في السجن أو أثناء الاستجواب أو خلال القتال. وكشف نشطاء مدافعون عن حقوق الإنسان عن وجود تلك المقبرة الجماعية خلال سنوات الحرب الأهلية، وكانت تعتبر لفترة طويلة واحدة من أكبر المقابر الجماعية في سوريا.
لكن تحقيقاً أجرته وكالة "رويترز" خلص إلى أن حكومة الأسد قامت سراً بالحفر في موقع القطيفة ونقلت آلاف الجثث بالشاحنات إلى موقع جديد في منشأة عسكرية تبعد أكثر من ساعة في صحراء الضمير.
وفي تقرير حصري نُشر يوم الثلاثاء، كشفت "رويترز" عن مخطط إعادة الدفن السري ووجود المقبرة الجماعية الثانية. وفي تقرير نشر اليوم الجمعة تكشف "رويترز"، بتفاصيل دقيقة، كيف نفذ المسؤولون هذه المؤامرة وأبقوها طي الكتمان لمدة ست سنوات.
تحدثت الوكالة إلى 13 شخصاً على دراية مباشرة بالجهود التي استمرت عامين لنقل الجثث، وحللت أكثر من 500 صورة من صور الأقمار الصناعية للمقبرتين الجماعيتين التُقطت على مدى أكثر من عقد، والتي لم تُظهر فقط إنشاء مقبرة القطيفة، ولكن أيضاً كيف توسع الموقع السري، مع إعادة فتح خنادق الدفن وحفرها، حتى غطى مساحة شاسعة من الصحراء.
استخدمت "رويترز" التصوير الجوي بالطائرات المسيرة للتأكد من نقل الجثث. وبإشراف خبراء في الجيولوجيا الجنائية، التقطت الوكالة أيضا آلاف الصور بطائرات مسيرة وعلى الأرض للموقعين بهدف إنشاء صور مركبة عالية الدقة. وفي صحراء الضمير، أظهرت رحلات الطائرات المسيرة أن التربة غير المستوية حول خنادق الدفن كانت أكثر احمراراً وقتامة من المناطق المجاورة المستوية، وهو نوع التغيير المتوقع إذا أضيفت تربة القطيفة إلى تربة صحراء الضمير، وفقاً لما ذكره بنجامين روك ولورنا داوسون الخبيران الجيولوجيان اللذان قدما المشورة لـ"رويترز".
وتنتشر المقابر الجماعية في أنحاء سوريا، لكن الموقع السري الذي اكتشفته الوكالة يعد من بين أكبر المواقع المعروفة. ومع ما لا يقل عن 34 خندقاً يبلغ طولها الإجمالي كيلومترين، تعد المقبرة الواقعة بالقرب من بلدة الضمير الصحراوية من بين أوسع المقابر التي تم حفرها خلال الحرب الأهلية التي مزقت البلاد. وتشير روايات الشهود وأبعاد الموقع الجديد إلى احتمال دفن عشرات الآلاف هناك.
وأعلنت وكالة "رويترز" انها قررت عدم الكشف عن الموقع لحمايته من التلاعب.
وبعد نشر التقرير الأول للوكالة، قالت الهيئة الوطنية للمفقودين التابعة للحكومة إنها تواصلت مع وزارة الداخلية لحماية الموقع وفق الآليات المتبعة لديهم. وأوضحت اللجنة أن نقل الجثث بشكل عشوائي إلى موقع الضمير سيجعل عملية تحديد هوية الضحايا أكثر تعقيداً.
وقالت اللجنة: "ما تكشف عنه عمليات نقل التربة الأخيرة لا يقتصر على بعد سيادي أو لوجستي، فلكل أسرة مفقود معاناة خاصة تتشابك مع تعقيدات علمية قد تحول مهمة التعرّف إلى مشروع تقني طويل ومكلف".
ووفقاً لشهود شاركوا في العملية، كانت ست إلى ثماني شاحنات مليئة بالتراب والبقايا البشرية والديدان تتوجه إلى موقع الضمير الصحراوي أربع ليال تقريباً كل أسبوع. وبحسب شهود، بما في ذلك سائقا شاحنتين وثلاثة فنيين لإصلاح السيارات وسائق جرافة وضابط سابق من الحرس الجمهوري التابع للأسد شارك منذ الأيام الأولى في عملية نقل الجثث، التصقت الرائحة الكريهة بملابس وشعر جميع المشاركين.
وقال الضابط السابق بالحرس الجمهوري إن فكرة نقل آلاف الجثث بدأت في أواخر 2018، عندما اقترب الأسد من تحقيق النصر في الحرب الأهلية السورية. وأضاف أن الأسد كان يأمل في استعادة الاعتراف الدولي بعد تهميش لسنوات جراء العقوبات والاتهامات بارتكاب فظائع.
في ذلك الوقت، كان الأسد متهماً بالفعل باحتجاز آلاف السوريين لكن لم تتمكن أي من الجماعات السورية المستقلة أو المنظمات الدولية من الوصول إلى السجون أو المقابر الجماعية.
وقال الضابط إنه في اجتماع عام 2018 مع المخابرات الروسية، تلقى الأسد تطمينات بأن الحلفاء يعملون بدأب لإنهاء عزلته. ونصحه الروس بإخفاء أدلة على انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان. وأضاف الضابط: "خصوصاً الاعتقالات والمقابر الجماعية والهجمات الكيمياوية".
وقال سائقا الشاحنتين والضابط لـ"رويترز" إنهم أُبلغوا بأن الهدف هو تطهير مقبرة القطيفة الجماعية وإخفاء أدلة على عمليات القتل الجماعي.
ظهر أول خندق في القطيفة في صور الأقمار الصناعية عام 2012. وكشف ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان موقع القطيفة من خلال تسريب صور لوسائل إعلام محلية عام 2014 تظهر وجود المقبرة وموقعها على مشارف دمشق، واتهم الأسد باستخدام الموقع لإخفاء العدد الهائل للقتلى في عهده. وتحدد موقعه بدقة بعد بضع سنوات من خلال شهادات في المحاكم وتقارير إعلامية أخرى. لكن بحلول الوقت الذي سقط فيه الأسد، كانت جميع الخنادق الستة عشر التي وثقتها "رويترز" قد تم إفراغها.
ووفقاً لمنظمات حقوقية سورية اختفى ما يربو على 160 ألف شخص على يد جهاز الأمن الضخم التابع للرئيس المخلوع، ويُعتقد أنهم مدفونون في عشرات المقابر الجماعية التي أمر بحفرها. وقدّرت الحكومة عدد المفقودين منذ بدء حكم عائلة الأسد عام 1970 بما يصل إلى 300 ألف شخص. ويمكن أن تساعد عمليات التنقيب المنظمة وتحليل الحمض النووي في الكشف عما تعرض له هؤلاء، وقد تسهم هذه الجهود في تضميد أحد الجراح الغائرة في تاريخ سوريا.
لكن نظراً لقلة الموارد لا تحظى حتى المقابر الجماعية المعروفة بالحماية ولا يتم التنقيب فيها. كما أن السلطات الجديدة في دمشق لم تنشر أي وثائق تتعلق بهذه المقابر، رغم المناشدات المتكررة من عائلات المفقودين.
وقالت الهيئة الوطنية للمفقودين إن ذلك يرجع إلى اختفاء العديد من السجلات أو إتلافها، وإن الفجوات في البيانات هائلة حتى بالنسبة للمواقع المعروفة مثل القطيفة. وقالت إن هناك خططاً لإنشاء بنك للحمض النووي ومنصة رقمية مركزية لعائلات المفقودين، لكنها أشارت إلى عدم وجود عدد كاف من المتخصصين في الطب الشرعي واختبارات الحمض النووي.
واطلعت "رويترز" على شهادات في المحاكم وعشرات الوثائق الموقعة التي تظهر التسلسل القيادي من أسرّة الموتى في السجون إلى المشارح. حملت العديد من هذه الوثائق الختم الرسمي لنفس العقيد الذي أشرف على موقعي الدفن الجماعيين: العقيد مازن إسمندر. وجميع من قابلتهم الوكالة وكانوا مشاركين في نقل الجثث تذكروا ليالي عملوا فيها تحت إمرة إسمندر.
وصف أحمد غزال، وهو ميكانيكي، الإصلاحات الليلية طوال تلك الفترة وكيف أمره الجنود بإخلاء ورشته كي يتسنى إصلاح الشاحنات بسرعة وبعيداً عن الأنظار. وقال غزال لـ"رويترز" إنه لم يصدق تفسيرهم الأولي بأن رائحة العفن جاءت من مواد كيمياوية وأدوية منتهية الصلاحية.
رأى غزال الجثث لأول مرة عندما قفز داخل صندوق الشاحنة أثناء إصلاحها. وبعد أن سقطت يد بشرية متحللة على أحد مساعديه، قال غزال إن الفضول غلبه فاقترب من أحد السائقين العسكريين ليسأله من أين جاءت الجثث. وأخبره ذلك السائق أنها من القطيفة، وأن الأوامر صدرت لنقلها قبل أن تتمكن سوريا من فتح أبوابها أمام التدقيق الدولي.
ووصف غزال، الذي قاد "رويترز" إلى موقع الضمير، الأحداث التي شهدها هناك بصوت أجش لا يخلو من الحذر. لكنه قال إنه لم يتحدث علناً عن الأمر في ذلك الوقت. وأضاف: "لو تكلمته كنت سأموت، وسألحق بالأشخاص المدفونين هنا، ويحدث ليه ما حدث لهم".
وتحدثت الوكالة إلى السائق أيضاً، الذي تذكر حديثه مع غزال، وقال إن العقيد إسمندر حذرهم من أنهم سيدفعون الثمن إذا تحدث أي شخص عما رأوه. وقال السائق: "لو كان باستطاعتي، لما عملت بهذا العمل. أنا عبد مأمور، عبد الأوامر.. شعور بالخوف ورائحة كريهة وإحساس بالذنب".
وذكر أنه عندما كان يعود لمنزله مع شروق الشمس، كان يحاول التخلص من الروائح "بالاستحمام وأحاول نسيان الروائح بالعطر أو بأي شيء".
من جهته رفض إسمندر التعليق على نتائج تحقيق وكالة "رويترز" عندما تم الاتصال به عبر وسطاء.
"أستاذ التطهير"
مع تحول الاحتجاجات على حكم الأسد إلى حرب أهلية في عام 2012، كانت القطيفة، الواقعة على مشارف دمشق، واحدة من الأماكن القليلة الخاضعة لسيطرة مُحكمة من جانب الحكومة. وقال أنور حاج خليل، الرئيس السابق لمجلس المدينة، إن الناس كانوا ينقلون إلى موقع عسكري هناك الجثث التي يعثرون عليها خلال الأيام الأولى من القتال وجهود الأسد المحمومة لاحتواء الانتفاضة.
وبحلول 2013، كانت شاحنات محملة بالجثث تصل من المستشفيات ومراكز الاحتجاز وساحات القتال. وقال حاج خليل وعميد سابق في الفرقة الثالثة بالجيش السوري التي نسقت لوجستيات الدفن إن عدد الجثث كان كبيراً لدرجة أن اثنتين من شركات توزيع الأغذية المملوكة للحكومة، شركة لتعبئة اللحوم وأخرى توزع الفاكهة والخضراوات، خصصتا شاحناتهما المبردة لنقل القتلى إلى القطيفة.
طلب الضابط، مثل العديد من المتورطين في نقل الجثث، عدم الكشف عن هويته. من جهته، قال حاج خليل، الذي لا يزال يعيش في المنطقة، إنه لم يرغب أحد في تولي مسؤولية دفن الجثث.
وكانت هناك حاجة إلى شخص للإشراف على العمليات والموقع. ووفقاً لشهود وشهادات أمام محاكم، بدأ إسمندر في لعب هذا الدور في وقت مبكر من عام 2012. وذكر الضابط في الفرقة الثالثة أنه تم تقديمه إلى أفراد الفرقة باعتباره "أستاذ عمليات التطهير".
وبحسب وثائق ترجع لعام 2018 تحمل ختمه اطلعت عليها "رويترز"، كان منصب إسمندر الفعلي هو رئيس قسم الميزانية في إدارة الخدمات الطبية للجيش السوري. وكانت تلك الوحدة واحدة من أقوى الهيئات الحكومية في البلاد، إذ كانت تشرف على الرعاية الطبية للجنود وأي شخص يتم نقله إلى المستشفيات العسكرية، بما في ذلك آلاف السجناء الذين تم تسجيل وفاتهم هناك.
ووفقاً لحاج خليل والضابط في الفرقة الثالثة، وقع اختيار إسمندر وقائد بالفرقة الثالثة على قطعة أرض خاضعة لسيطرة الجيش في منطقة القطيفة لتكون موقعاً للدفن.
في البداية، كانت الجثث تأتي بالعشرات في المرة الواحدة من مستشفيين قريبين. وقال حاج خليل إنها كانت في أكفان مكتوب عليها الأسماء. لكنه أضاف أنه في غضون بضعة أشهر، اعتاد على المكالمات الواردة من إسمندر بعد منتصف الليل للتخلص من الجثث القادمة من مستشفى تشرين العسكري خارج دمشق. وكان ضابط آخر يتصل به للتخلص من الجثث القادمة من سجن صيدنايا سيئ السمعة.
وقال حاج خليل إن إسمندر كان يقول له: "الشاحنات المبردة ذاهبة في اتجاهك، دع قائد الجرافة يقابلنا في الموقع بعد نصف ساعة".
ووفقاً لسائق جرافة عمل في القطيفة ابتداءً من عام 2014، كانت جميع جثث تشرين وصيدنايا معصوبة العينين بينما الأيدي كانت مربوطة بشرائط بلاستيكية في بادئ الأمر. وقال إن القادمين من تشرين كانوا يصلون في البداية في أكياس جثث ثم في أكياس من النايلون، ثم كانوا يصلون بلا أي أكياس على الإطلاق. وقال السائق الذي يتذكر رنين هاتفه في الثانية صباحاً مع أوامر ببدء الحفر، إن جميعهم تقريباً كانوا عراة.
وأضاف أن الخنادق التي حفرها الجيش في البداية كانت ضحلة للغاية و"هذا السبب الذي جعلهم يستعينون بي". وأضاف أنه نظراً لطبيعة التربة الممزوجة بالحصى والحجارة الصغيرة "فاحت الرائحة بسرعة"، مشيراً إلى أن السكان المحليين اشتكوا من الرائحة والكلاب التي انجذبت إليها.
وذكر أنه حفر كل خندق بعمق وعرض حوالي أربعة أمتار، وطوله ما بين 75 و90 متراً. وتتطابق روايته مع صور الأقمار الصناعية التي حللتها "رويترز"، فالصور التي تعود لعام 2013 عندما بدأ حفر الخنادق تظهر على ما يبدو خنادق ضحلة، تليها أخرى أطول وأعمق في عام 2014.
وقال السائق: "في الأسبوعين الأوليين، لم أستطع الأكل أو النوم بسبب قدر الرعب الذي رأيته. بعدها، شعرت بأن شيئاً في داخلي قد انكسر، واعتدت على الأمر".
في الوقت نفسه، احتفظ إسمندر بسجلات توضح بالتفصيل عدد الجثث التي وصلت وفرع الأمن الذي أرسلها، وفقاً لشهادة تحت القسم من حفار قبور يدعى محمد عفيف نايفة في ألمانيا وأمام محكمة أميركية في دعوى تتعلق باتهامات بالتعذيب ضد حكومة الأسد. وقال نايفة للمحكمة الألمانية إنه عمل مع إسمندر من عام 2011 إلى عام 2017 وقام بتنسيق دفن سجناء سياسيين.
وشهد نايفة، الذي أشارت شهادته فقط إلى القطيفة، بأن الأرقام الموجودة في السجلات أقل من العدد الحقيقي للجثث التي ساعد في دفنها. وقال إن الضحايا كان بينهم أطفال رضع وصغار.
وقال عام 2024 في شهادته في دعوى مدنية أميركية رفعها أحد ضحايا التعذيب ضد حكومة الأسد "هذه الطريقة القائمة على التقليل من الأعداد هي الطريقة التي استخدمها النظام لإخفاء ودفن عدد أكبر بكثير من الأشخاص مقارنةً بما تم تسجيله".
وظهر اسم إسمندر 73 مرة بين آلاف الوثائق التي تعود لعامي 2018 و2019 التي عثرت عليها "رويترز" وصورتها خلال زيارة لمكتب الأدلة الجنائية العسكرية بعد أن غادرته قوات الأسد في ديسمبر (كانون الأول) مع وصول الفصائل المعارضة إلى دمشق.
وظهر ختمه على وثائق من عامي 2018 و2019 عن كيفية نقل السجناء أولاً إلى مستشفى تشرين العسكري، ثم بعد الوفاة إلى مستشفى حرستا العسكري لحفظ الجثث. ولا تشير الوثائق إلى وجود مقابر جماعية.
ومع ذلك، وفقاً لتحليل "رويترز" لصور الأقمار الصناعية وصور الطائرات المسيرة، فقد تم حفر 16 خندقاً للدفن في القطيفة في الفترة من 2013 حتى 2018 على الأقل بطول إجمالي يزيد عن 1.2 كيلومتر.
وكانت الطرق المحلية تُغلق عندما تتجه الشاحنات نحو موقع الدفن. وقال ضابط الفرقة الثالثة الذي رافق الشاحنات إنه في عام 2014، تعطلت شاحنة على الطريق السريع وتوقف جميع من كانوا في القافلة المتجهة إلى القطيفة.
وقدم نايفة رواية مطابقة لهذه الواقعة. وذكر ضابط الفرقة الثالثة أنه تلقى اتصالاً غاضباً من قائد إسمندر، اللواء عمار سليمان قال فيه: "أتتنا الأوامر من الرئيس: أغلقوا الطريق الدولي".
كان سليمان أحد كبار القادة العسكريين في سوريا، وأحد أفراد الدائرة المقربة من الأسد. وقد تولى قيادة الخدمات الطبية العسكرية، وكان القائد المباشر لإسمندر. وتأكد تورطه في شهادة نايفة، وشهادة قائد في الدفاع الوطني، وهي قوة شبه عسكرية تابعة للأسد مباشرة شاركت في أكثر العمليات الأمنية سرية في سوريا.
ولم تعثر "رويترز" على أي وثائق تتضمن أوامر مباشرة من الأسد بشأن المقابر الجماعية بشكل عام أو "عملية نقل الأتربة". لكن ضابط الحرس الجمهوري وقائد الدفاع الوطني قالا إنه من غير المعقول ألا يكون الأسد قد أمر بذلك. وقال القائد بالدفاع الوطني: "اتحداك أن تجد شيئاً يتضمن أمراً صريحاً من بشار الأسد.. كان يعلم أنه سيأتي يوم وتتم محاسبته، ولم يكن يريد أن تتلطخ يداه".
واستناداً إلى وتيرة عمليات النقل خلال تلك السنوات، قدر حاج خليل أن القطيفة كانت تضم ما بين 60 و80 ألف قتيل حتى نهاية عام 2018. وأظهر تحليل "رويترز" لصور الأقمار الصناعية أن عمليات حفر الخنادق توقفت حينها.
وبحلول ذلك الوقت، وبمساعدة روسيا وإيران، أصبح يُنظر إلى الأسد على نطاق واسع باعتباره المنتصر في الحرب الأهلية. ومع ذلك، كان قد فقد السيطرة على جزء كبير من شمال سوريا لصالح هيئة تحرير الشام والقوات الكردية التي اقتطعت كل منها مناطق حكم ذاتي.
وذكر الضابط في الحرس الجمهوري أنه في إحدى أمسيات أواخر عام 2018، استدعى الأسد أربعة من قادة الجيش والمخابرات إلى القصر الرئاسي لمناقشة ما يجب فعله بشأن المقابر الجماعية، وخاصة موقع القطيفة. وقال الضابط الذي كان يعمل في القصر في ذلك الوقت إنه كان من بين عدد قليل من الذين اطلعوا على محضر الاجتماع.
وأضاف أن مدير المخابرات العسكرية اللواء كمال حسن اقترح تجريف مقبرة القطيفة الجماعية بأكملها ونقل محتوياتها إلى مكان أبعد. وقال "الفكرة بدت مجنونة للجميع، بس بشار أعطاها الضوء الأخضر". وذكر أن الأساس في الموقع الجديد هو أن يكون تحت السيطرة العسكرية.
وقال الضابط إن مدير المخابرات العسكرية حسن أمر بإرسال تقارير أسبوعية إلى القصر الرئاسي.
ووفقاً لما ذكره الضابط ورئيس مجلس المدينة السابق حاج خليل وتحليل "رويترز" لصور الأقمار الصناعية، بدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، العمل في بناء جدار خرساني حول القطيفة. وتظهر صورة التقطتها الأقمار الصناعية في فبراير (شباط) 2019 الجدار المحيط بالمقبرة الجماعية بأكملها ويبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار، مما أدى إلى حجب أي رؤية للموقع من مستوى سطح الأرض.
وفي صحراء سوريا، على بعد أكثر من ساعة، ظهرت أولى الخنادق البالغ عددها 34 على الأقل في أوائل فبراير (شباط) 2019. كانت عملية جديدة قد بدأت في قاعدة عسكرية تتعرض للرياح بالقرب من بلدة الضمير، محمية بسلسلة من السواتر الترابية والأسوار، ومحاطة بالجبال من جميع الجهات.
"عملية نقل الأتربة"
قال الضابط بالحرس الجمهوري وحاج خليل إن الأوامر المكتوبة أشارت إلى أن المهمة هي نقل الأتربة والرمال إلى موقع بناء. وقال السائق العسكري إن إسمندر، الرمادي الشعر الحليق الذقن، جمع السائقين قبل دقائق قليلة من بدء العمل في يومهم الأول وأوضح لهم أن المطلوب فعلياً هو نقل جثث، لأن موقع المقبرة الجماعية في القطيفة قد تم كشفه. وذكر ضابط الحرس الجمهوري والقائد في الدفاع الوطني أن العملية حملت اسم "عملية نقل الأتربة".
وأكد أحد السائقين العسكريين: "من اليوم الأول، كانت التعليمات تمنعننا من الإمساك بالهواتف الجوالة ومن ترك السيارات خلال عملية تحميل الجثث. مخالفة هذه التعليمات كان يعني الموت. ما من أحد يجرؤ على مخالفة الأوامر".
وأضاف السائق أن الشاحنات كانت تغادر القطيفة عادة عند غروب الشمس، ويُمنع السائقون من الخروج من سياراتهم أثناء التحميل. وكان بإمكانه رؤية إسمندر في المرآة الخلفية وهو يشير إليه بمكان صف السيارة. وكانت شاحنته تهتز في كل مرة تفرغ فيها الجرافة حمولتها خمس أو ست مرات.
وقال ضابط الحرس الجمهوري الذي أشرف على العمل مباشرة "كان بعضها عظام وجماجم شبه متحللة" فيما كان بعضها جثثاً جديدة. وأضاف: "كان هناك أيضاً الكثير من الديدان التي كان يسقط منها المئات، إن لم يكن الآلاف، مع كل مرة تفرغ فيها الجرافة حمولتها في الشاحنة".
وبعد ذلك، بناءً على أوامر إسمندر، كانت السيارات تصطف وتتجه نحو الضمير، وكانت ست إلى ثماني شاحنات من طراز "مرسيدس" برتقالية باهتة اللون تتبع سيارة العقيد "الفان" البيضاء.
صاحبت رائحة كريهة للغاية مرور القافلة. وكان السائقون والميكانيكيون يتذكرون دائماً تلك الليالي بالرائحة التي عبأت الهواء أربعة أيام في الأسبوع من فبراير (شباط) 2019 حتى أبريل (نيسان) 2021، باستثناء العطلات وأيام سقوط الثلوج وفترة الحظر بسبب جائحة كوفيد-19 التي استمرت في سوريا حوالي أربعة أشهر.
بعد سنوات من هذه الرحلات، قال أحد السكان الذي لا يزال يتذكر الرائحة إن حمولة الشاحنات باتت سراً مكشوفاً بالنسبة لمن يعيشون بالقرب من كلا الموقعين. وقال أحد السائقين: "الجميع رأى" ما يحدث.
وبدون البحث في المقابر، من المستحيل إجراء تقدير دقيق لعدد الجثث المدفونة في الضمير. لكن قافلة مكونة من ست إلى ثماني شاحنات تقوم بأربع رحلات أسبوعياً تعني تقريباً حوالي 2600 رحلة مع احتساب فترات التوقف. وقال خبراء لوكالة "رويترز" إنه بناء على ذلك وعلى حجم الشاحنات، فمن المنطقي الاعتقاد أن عشرات الآلاف يرقدون في مقبرة الضمير.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أنه بحلول الوقت الذي انتهت فيه "عملية نقل الأتربة"، كان كل خندق من خنادق القطيفة الستة عشر التي وثقتها "رويترز" قد تم فتحه. وإجمالاً، تحتوي مقبرة الضمير على خنادق بطول كيلومترين، وفقاً لحسابات الوكالة. وقال السائقون وميكانيكي واحد إن عرض كل منها يبلغ حوالي مترين وعمقه ثلاثة أمتار.
وشاهد مراسلو "رويترز" الذين زاروا الموقع هذا العام عظاماً بشرية متناثرة على السطح، بما في ذلك جمجمة مهشمة.
وقال غزال، فني إصلاح السيارات، إنه أصلح الشاحنات مراراً لأن تاريخ تصنيعها يعود إلى منتصف الثمانينات وكانت عرضة للأعطال. وأتاح له إصلاح الشاحنات مراراً في ورشته فرصة تمييز نوعين من الجثث التي كانت تنقل إلى الضمير. كان بعضها قد تحلل وغطته الأتربة، في حين ظهرت أخرى وكأنها حديثة الوفاة، بما في ذلك شبان وشابات. وقال ابنا عمه اللذان كانا يعملان أيضاً في الورشة لـ"رويترز" إنهما شاهدا جثثاً حديثة الوفاة.
وقاد غزال فريقاً من "رويترز" إلى الموقع، الذي تمكن من التعرف عليه لأنه تم استدعاؤه إلى هناك لإصلاح شاحنة معطلة. وقال وهو يشير إلى الصحراء الخالية: "كل هذا هذا المكان، على مد البصر، يوجد به أشخاص مدفونة تحت الأرض".
وكان عمار السلمو، عضو مجلس إدارة منظمة "الخوذ البيضاء" التي تساعد في العثور على المقابر الجماعية وحفرها، أول من نبه وكالة "رويترز" إلى احتمال وجود مقبرة جماعية في الضمير. وقال إن سكان القطيفة أبلغوا "الخوذ البيضاء" بأن المقبرة الجماعية هناك فارغة، وأن شاهداً في الضمير أبلغ عن قوافل تنقل الجثث، لكن السلمو قال إن المنظمة كانت تعاني من نقص في الموظفين والموارد، ولم تتحقق من أي من الادعاءين.
وأشار تحليل أجرته "رويترز" لمئات صور الأقمار الصناعية الملتقطة على مدى سنوات إلى تحول في لون التربة غير المستوية في موقع الضمير. ولكن حتى أكثر الصور تطوراً تفتقر إلى الدقة اللازمة لإجراء فحص دقيق للتربة. لذلك شرعت "رويترز" في التقاط آلاف الصور بطائرات مسيرة بهدف إنشاء صور مركبة عالية الدقة للقطيفة والضمير باستخدام برامج المسح التصويري المتخصصة.
وأظهرت الصور المركبة أن الجرافات تحركت مراراً فوق الخنادق لتسوية التربة. كما دعمت النتائج الأساسية التي توصلت إليها "رويترز"، وهي أن الجثث نقلت من القطيفة إلى ضمير.
وكشف تحليل صور الطائرات المسيرة أن تغيرات لون التربة حول خنادق الدفن في الضمير تشير إلى أن التربة التي عُثر عليها في باطن الأرض بالقطيفة قد اختلطت بتربة الضمير. وذكرت داوسون، الرائدة في علم التربة الجنائي في معهد جيمس هاتون في اسكتلندا، وروك المتخصص في العثور على مواقع الدفن باستخدام التصوير عن بُعد أن هذا ما يُتوقع العثور عليه إذا أضيفت التربة المستخرجة من القطيفة، والتي تحتوي على بقايا بشرية، إلى تربة الضمير.
وبيّن تحليل صور الأقمار الصناعية أنه تم ردم الخندق الأخير في الضمير خلال الأسبوع الأول من أبريل (نيسان) 2021. وبحلول نهاية ذلك العام، جرى تسوية الأرض في القطيفة، في محاولة لطمس أي أثر للمقبرة الجماعية الخاوية الآن. وفي الصور الخاصة بالموقعين، لا تزال الأرض تحمل آثار محاولات إخفاء عمليات الدفن.
وتلقى مدير المخابرات العسكرية - الذي كان أول من طرح فكرة نقل الجثث إلى الضمير- أحد التقارير الأسبوعية الأخيرة عن العملية في أواخر عام 2021 وسلمه إلى ضابط الحرس الجمهوري. وأشار الضابط إلى أن كلماته كانت "الضيوف جايين عالبلد وبدنا البلد تكون نضيفة" أي أن "الضيوف آتون إلى البلاد، ونريد أن تكون البلاد نظيفة".
وقال ضابطان سابقان مطلعان على تحركات إسمندر إنه فر من سوريا بعد سقوط النظام، مثل الأسد والعديد من المسؤولين.
ومع رحيل الأسد، قال غزال إن المقابر الجماعية كانت أول ما خطر بباله عندما شاهد لقطات لآلاف السوريين وهم يتدفقون إلى سجن صيدنايا على أمل العثور على أحبائهم المفقودين. وكانت بعض مواقع الدفن معروفة بالفعل، بما في ذلك القطيفة.
في ديسمبر (كانون الأول) 2024، زارت عدة وسائل إعلام محلية ودولية الموقع الذي أصبح الوصول إليه ممكناً. كما زارت الموقع الهيئة الوطنية للمفقودين، وأشارت إلى أن القطيفة تم تجريفها في وقت ما بين 2018 و2021. ولم يذكر أحد أن الخنادق كانت فارغة.
وقال غزال، الذي لا يزال يعيش ويعمل في المنطقة، إن أحداً لم يأت للبحث في موقع الضمير الذي لا يغادر ذاكرته قط. وأضاف أن الكثير من السوريين يبحثون في المكان الخطأ.