إصرار على الحياة
"أبيض وأسود من حمص" صفحة سرية لا يستطيع رؤية ما يكتب فيها إلا أعضاء الصفحة، وإن كانت تقتصر إلى الآن على مدينة حمص، فإن مشتركيها تنوعوا من عدة من سوريا، وإن كان النظام السوري يقتل ويشوّه ويدمر، فإن الإصرار على عدم الموت يبدو واضحاً في كل تفصيل من تفاصيل الحياة السورية.
فقدت النطق
واحدة من الفتيات المشتركات في الصفحة تعمل في مجال العلاج النفسي للنازحين والمتضررين، ويبدو أن الفتاة بدأت تعيش حالات الأشخاص الذين تقابلهم، وتقول (e.m): "اليوم التقيت طفلة من حي الميدان الدمشقي، تبلغ من العمر ثلاث سنوات.. لا تتكلم وتعاني من مشكلة التبول اللاإرادي في الليل، والسبب هبوط قذيفة على المنزل فهبّت هي وأهلها للاختباء في الحمام.. بدأ المنزل يحترق واضطروا للخروج من المنزل إلى المشغل القريب من البيت.. وكان رجال الأمن والشبيحة يملؤون المكان والفتاة خائفة جداً وتريد البكاء والصراخ لتعبر عن حالة الرعب التي تملأ جوفها، فما كان من الأم إلا أن تأمرها بالسكوت خوفاً على حياتهم.. خوفاً أن يسمع الشبيحة أصواتهم ويكتشف مكانهم ويهمون بذبحهم جميعاً.. ولازالت الفتاة صامتة إلى الآن.. وكلما سمعت نقرة باب تذهب لتختبئ داخل الحمام.. فبات الحمام ملاذها الآمن.. وبات الصمت يعني لها الحياة".
وعند سؤال (e.m) عن طريقة تعاملها مع الفتاة قالت: "نستشير أطباء نفسيين، ونحاول أن نتابع تلك الحالات، وأصبح ارتباطي الآن بالأطفال وثيقاً لدرجة أنني بت أعاني من التفكير بهم ليلاً ونهاراً، وذلك أمر طبيعي لأني أقضي معظم أوقاتي معهم".
آدمن الصفحة يصر على سرية المعلومات، ويصر على عدم جعل الصفحة للعموم لأنها ستتعرض مع أعضائها للملاحقة، ويستدرك قائلاً: "الشباب الفعّالون في الصفحة من جميع البلدان، ومن يوجد خارج سوريا يساعدنا في أمور كثيرة نعجز عنها نحن من بالداخل".
صفحة "أسود وأبيض من حمص" أنشأها عدد من الشباب والفتيات من داخل حمص وخارجها، واتخذت من محاولة مساعدة كل من يمكن مساعدته أحد أهم أهداف الصفحة، بالإضافة إلى الإضاءة على الجوانب التي سمتها الصفحة "جوانب سوداء" في محاولة لتدارك الخطأ وإصلاحه.
يحاول النظام السوري أن يحجب الحياة عن سوريا، فيقف في وجهه شباب سوريون يتحايلون على إجرامه، ويساعدون بعضهم بلا أي مقابل، وإن كان ذلك الشباب موجوداً في بلد لم يذق يوماً طعم الحرية، فإن الوحيد الذي لا يستطيع أن يصدق أن تحمل سوريا كل تلك الحياة هو بشار الأسد ونظامه.